وإيضاح ذلك: أن الله هو الذي قدر على الكافر في أزله أن يجادل في الله بغير علم في حال كونه لاوي عنقه إعراضاً عن الحق ، واستكباراً. وقد قدر عليه ذلك ليجعله ضالاً مضلاً. وله الحكمة البالغة في ذلك ، كقوله {إِنَّا جَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ} [الكهف: 57] أي لئلا يفقهوه. وكذلك
{فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ} [القصص: 8] الآية: أي قدر الله عليهم أن يلتقطوه ، لأجل أن يجعله لهم عدواً وحزناً. وهذا واضح لا إشكال فيه كما ترى.
وما ذكره جل وعلا في هذه الآية: من إعراض بعض الكفار عن الحق واستكبارهم أوضحه في آيات أخر من كتاب الله ، كقوله تعالى {وَإِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا ولى مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا} [لقمان: 7] وقوله تعالى {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ الله لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} [المنافقون: 5] وقوله تعالى {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إلى مَآ أَنزَلَ الله وَإِلَى الرسول رَأَيْتَ المنافقين يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودا} [النساء: 61] وقوله تعالى عن لقمان في وصيته لابنه {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} [لقمان: 18] الآية أي لا تمل وجهك عنهم ، استكباراً عليهم. وقوله تعالى عن فرعون {وَفِي موسى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ فتولى بِرُكْنِهِ} [الذاريات: 38 - 39] فقوله {فتولى بِرُكْنِهِ} بمعنى: ثنى عطفه. وقوله تعالى {وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ} [فصلت: 51] الآية إلى غير ذلك من الآيات: وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {لَهُ فِي الدنيا خِزْيٌ} أي ذل وإهانة. وقد أذل الله الذين جادلوا في الله بغير علم ، ولا هدى ، ولا كتاب منير: كأبي جهل بن هشام ، والنضر بن الحارث بالقتل يوم بدر.