وقال بعض العلماء في قوله في هذه الآية الكريمة {بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي بدون علم ضروري ، حاصل لهم بما يجادلون به {وَلاَ هُدًى} أي استدلال ، ونظر عقلي ، يهتدي به العقل للصواب {وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ} أي وَحْي نير واضح ، يعلم به ما يجادل به ، فليس عنده علم ضروري ولا علم مكتسب بالنظر الصحيح العقلي ، ولا علم من وَحْي ، فهو جاهل محض من جميع الجهات ، وقوله {ثَانِيَ عِطْفِهِ} حال من ضمير الفاعل المستكن في: يجادل: أي يخاصم بالباطل في حال كونه ثاني عطفه: أي لاوي عنقه عن قبول الحق استكباراً وإعراضاً. فقوله: ثاني اسم فاعل ثَنْى الشيء إذا لواه ، وأصل العطف الجانب ، وعطفا الرجل: جانباه من لدن رأسه إلى وركيه ، تقول العرب: ثنى فلان عنك عطفه: تعني أعرض عنك. وإنما عبر العلماء هنا بالعنق فقالوا: ثاني عطفه: لاوي عنقه: مع أن العطف يشمل العنق وغيرها ، لأن أول ما يظهر فيه الصدود عنق الإنسان ، يلويها ، ويصرف وجهه عن الشيء بليها. والمفسرون يقولون: إن اللام في قوله {لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله} ونحوها من الآيات مما لم تظهر فيه العلة الغائية ، كقوله {فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} [القصص: 8] الآية. ونحو ذلك لام العاقبة ، والبلاغيون يزعمون أن في ذلك استعارة تبعية ، في معنى الحرف. وقد وعدنا بإيضاح ذلك في سورة القصص.
ونقول هنا: إن الظاهر في ذلك: أن الصواب فيه غير ما ذكروا ، وأن اللام في الجميع لام التعليل ، والمعنى واضح لا إشكال فيه كما نبه عليه الحافظ ابن كثير رحمه الله في مواضع من تفسيره.