وإلى هنا تكون كل وسائل الإنبات مستكملة مستوفاة فِي ظاهر الأمر ..
وهذا هو المطلوب من الإنسان أن يعمله ، وأن يستكمل أسبابه حتى يجيء المسبّب ..!
ولكن بين الأسباب والمسبب ، نظر لناظر ، وعبرة لمعتبر!
فإذا كان الإنسان يملك أن يهيئ الأرض ، ويبذر البذر ، ويسوق إليه الماء .. فهل له يد يمكن أن يمدّها إلى تلك الأسباب المهيأة ، والتي هي كلها أدوات لم يكن من صنعه شيء منها ، بل كل سبب منها مسبب عن أسباب ..
وكل سبب من هذه الأسباب ، مسبب عن أسباب أخرى .. وهكذا - نقول:
هل له يد يمكن أن يمدّها إلى تلك الأسباب ، فيخرج منها النبات الذي بذر بذرته ، وانتظر ثمرته؟
وإذا كان الإنسان يملك أن يجد فِي كيانه النطفة ، ثم يهيئ المكان الذي يقذفها فيه ، ثم يقذف بالنطفة فِي هذا المكان المهيأ لها - فهل له مجال هنا فِي أن يزحزح تلك النطفة التي نزلت بمكانها المهيأ لها ، ثم جهدت جهدها ، فكانت علقة ، ثم كانت العلقة مضغة - نقول: هل له مجال هنا فِي أن يزحزح تلك النطفة - وقد أصبحت مضغة - إلى أبعد من هذا ، وأن ينفخ فيها نفخة الحياة ، وأن يمسك بها فِي الرّحم؟
جواب واحد ، ينطق به الحال ، ويشهد له الواقع ، وهو: « لا » ! إنه لا حول للإنسان ولا طول له ، فِي هذا الأمر أو ذاك ، وإنه ليس إلا العجز ، والتسليم ، ليد قادرة ، خالقة ، مبدعة .. لا حدود لقدرتها ، ولا نهاية لإبداعها.
واستمع إلى قوله تعالى:
« أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ؟ » (58 - 59:
الواقعة).
هذا ، عن النطفة ، وعن آيات القدرة القادرة ، وآثارها فيها ..
« أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ؟ لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ » (63 - 67:
الواقعة)..