والوجه الآخر: أن تكون"ثم"في قوله {ثُمَّ لِتَبْلُغُوا} مقحمة كما تقحم الواو؛ لأنها من حروف النسق ومعناه: ثم نخرجكم طفلاً لتبلغوا أشدكم.
قال ابن عباس: يريد ثماني عشرة سنة.
قال الزَّجَّاج: وتأويله الكمال والقوة والتمييز وهو ما بين الثلاثين إلى الأربعين. وهذا مما قد تقدم القول فيه.
قوله تعالى: {وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى} قال ابن عباس: يريد من قبل ذلك. يعني من قبل بلوغ الأشد.
{وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ} أي: أخسّه وأدونه، وهو الخرف،
يخرف حتى لا يعقل، وبيَّن ذلك بقوله {لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا} .
قال ابن عباس: يريد يبلغ من السن ما يتغير عقله حتى لا يعقل شيئًا.
قال: وليس ذلك إلا في أهل الشرك.
وقال عكرمة: من قرأ القرآن لم يصر بهذه الحالة، واحتجّ بقوله: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [التين: 5، 6] قال: إلا الذين قرأوا القرآن.
قوله {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً} قال الزَّجَّاج: ثم دلَّهم على إحيائه الموتى بإحيائه الأرض.
وقال صاحب النظم: هذا فصل منقطع مما قبله؛ لأنَّ الأول مخاطبة جماعة وهذا مخاطبة واحد، وهو معطوف على ما قبله بمثل معناه لأنّه من تبيين وجوب البعث.
قال الليث: أرض جامدة مقشعرةٌ لا نبات فيها إلاَّ يبيس مُتَحطّم، والهامد من الشجر: اليابس.
وقال شمر: الهامد: الأرض المسنتة، وهمودها ألا يكون فيها حياة والرَّماد الهامد: المتلبّد البالي بعضه فوق بعض. وهمد الثوب يهمد همودًا، إذا تناثر من البِلى.
قال الأصمعي: همدت النار إذا طفئت ألبتة. قال الأعشى:
قالت قُتَيْلةُ ما لجسمك شاحبًا ... وأرى ثيابك باليات هُمَّدا
قال ابن عباس: هامدة يريد التي قد تلبَّدت وذهب عنها النَّذى.
وقال مجاهد: هالكة. يعني جافة يابسة؛ لأن هلاك الأرض يُبسها.