قال السعدي: يعني أن الله تعالى إنما جعل بيته الحرام ليقام فيه دينه، وتخلص له فيه العبادة، فالمؤمنون هم الذين قاموا بهذا الأمر، وأما هؤلاء المشركون الذين يصدون عنه، فما كان صلاتهم فيه التي هي أكبر أنواع العبادات {إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} أي: صفيرًا وتصفيقًا، فعل الجهلة الأغبياء، الذين ليس في قلوبهم تعظيم لربهم، ولا معرفة بحقوقه، ولا احترام لأفضل البقاع وأشرفها، فإذا كانت هذه صلاتهم فيه، فكيف ببقية العبادات؟، فبأي: شيء كانوا أولى بهذا البيت من المؤمنين الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون، إلى آخر ما وصفهم الله به من الصفات الحميدة، والأفعال السديدة.
ولو فقه المسلمون هذا المعنى العظيم في الحج لما كان في كثير من بلاد المسلمين قبور وأضرحة تعبد من دون الله تعالى؛ فيطاف بها، وينذر لها، ويدعى عندها، ويصرف لها ما لا يجوز صرفه إلا لله تعالى من المحبة والتعظيم والخوف والرجاء، فما أشد غربة التوحيد في
كثير من بلاد المسلمين؟!
فكيف يكون الحج رمزًا من رموز الجاهلية؟ وقد أبطل النبي - صلى الله عليه وسلم - كل هذه المخالفات التي كانت في الجاهلية والتي تتناقض مع نقاء الإسلام وطُهرِهِ. . ومن المعلوم أن كل العبادات وما جاء فيها من أوامر ونواه كلها أمور توقيفية. . لا دخل للاجتهاد فيها؛ كالصلاة والصوم والزكاة والحج وغيرها من الأمور التي جاء بها الشرع الحكيم. فهذا يدلنا على أن الإسلام أراد بالحج تثبيت التوحيد لا إدخال طقوس الشرك.
الوجه الثامن: النبي - صلى الله عليه وسلم - يلغي أمور الجاهلية في حجته - صلى الله عليه وسلم -.