ونلاحظ هنا أن هؤلاء المؤمنين الذين ضَحَّوْا بكلِّ شيء وفرُّوا بدينهم ما زالوا في مرحلة الشباب ، وهو مظنّة الانشغال بالدنيا والحِرْص على مُتعها ، أما هؤلاء فقد انشغلوا بدينهم منذ صِغَرهم ليكونوا قدْوة ومثَلاً للشباب المؤمن في كل زمان ومكان ، فالفتاء في أهل الكهف: فتاء إيمان وفتاء عقيدة .
والحق سبحانه يقول: {وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا ...} .
والربط يعني أن تربط على الشيء وتشدّ عليه لتحفظ ما فيه ، كما تربط القِرْبة حتى لا يسيل الماء ، وتربط الدابة حتى لا تنفلت ، وقد وردتْ مادة (ربط) في القرآن كثيراً ، منها قوله تعالى في قصة أم موسى: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ موسى فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لولا أَن رَّبَطْنَا على قَلْبِهَا . .} [القصص: 10]
أي: ربط على ما في قلبها من الإيمان بالله الذي أوحى إليها أن تُلْقِيَ بولدها في الماء ، ولولا أنْ ربط الله على قلبها وثبّتها لانطلقتْ خلف ولدها تصرخ وتنتحب وتُلفِت إليه الأنظار: {كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لولا . .} [القصص: 10]
أي: تكشف عن الخُطّة التي أمرها الله بها لنجاة موسى عليه السلام ، وهكذا اطمأن قلب أم موسى ، وأصبح فؤادها فارغاً أي: من الانفعالات الضارة ، ومعلوم أن القلب هو محلُّ الانفعالات ، بدليل ما يحدث فيه من اضطراب وزيادة ضربات وتدفُّق للدم عند الغضب مثلاً .
ولا يُسمَّى القلب فؤاداً إلا إذا توقّد بالمشاعر وتحرك بها ، وربط الله على قلب أم موسى أحدث لها ضَبْطاً للشعور يحكم تصرفاتها فتأتي سليمة مُتمشّية مع الخطة المرادة .