ثم قال: {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ} [الإسراء: 73] أي: من عمى قلوبهم كادوا ليسترونك {عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} [الإسراء: 73] بالتغيير والتبديل {لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ} [الإسراء: 73] أي: وفق طباعهم في الضلالة وميلان نفوسهم إلى الدنيا وهي الضلالة عن الهدى {وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً} [الإسراء: 73] إذ وافقتهم في الضلالة {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ} [الإسراء: 74] بالقول الثابت وهو قول: لا إله إلا الله إلى أن بلغناك مقام معرفة حقيقة لا إله إلا الله بقولنا: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ} [محمد: 19] وطهرنا قلبك من لوث صفات البشرية {لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ} بها إن لم يطهرك عنها بقولنا: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} [محمد: 19] {شَيْئاً قَلِيلاً} وإنما سماه قليلاً؛ لأن روحانية النبي صلى الله عليه وسلم كانت في أصل الخلقة غالبة على بشريته مؤيدة بتأييد:"أول ما خلق الله روحي"إذ لم يكن مع روحه {شَيْئاً قَلِيلاً} ما يحجبه عن الله فشرفه بتشريف"كنت نبيّاً وآدم بين الماء والطين"فمعنى الكلام: لولا التثبيت وقوة النبوة ونور الهداية وأثر نظر العناية، لكنت تركن إلى أهل الأهواء بهوى النفسانية بمنافع الإنسانية قدراً يسيراً لغلبة الروحانية وخمود نار البشرية.
ثم قال: {إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ} [الإسراء: 75] يعني: بشؤم ميل نفسك إلى الباطل ورغبتها عن الخلق نحي نفسك، وأذقناك عذاب حياتها واستيلائها وغلبتها على روحك ونميت قلبك، وأذقناك عذاب مماته وضعف روحك وعجزه وبعده عن الحق {ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً} [الإسراء: 75] يمنع عذابنا منك.