ثم أخبر عن المقبولين منهم والمردودين بقوله تعالى: {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} [الإسراء: 71] يشير إلى ما يتبعه كل قوم وهو إمامهم، فقوم: يتبعون الدنيا وزينتها وشهواتها فيدعون يا أهل الدنيا، وقوم: يتبعون الآخرة ونعيمها ودرجاتها فيدعون:"يا أهل الآخرة"، وقوم: يتبعون الرسول صلى الله عليه وسلم محبة لله وطلباً لقربته ومعرفته فيدعون:"يا أهل الله" {فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} [الإسراء: 71] فهو أهل السعادة من أصحاب اليمين فيه إشارة إلى أن السابقين الذين هم أهل الله لا يؤتون كتابهم كما لا يحاسبون حسابهم.
ثم قال: {فََأُولَئِكَ يَقْرَؤونَ كِتَابَهُمْ} [الإسراء: 71] لأنهم أصحاب البصيرة والقرآن والدراية {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} [الإسراء: 71] في جزاء أعمالهم الصالحة فيه إشارة إلى أن أهل الشقاوة الذين هم أصحاب الشمال لا يقرءون كتابهم؛ لأنهم أصحاب العمى والجهالة {وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ} [الإسراء: 72] أي: في هذه القراءة والدراية بالبصيرة {أَعْمَى} [الإسراء: 72] في الدنيا لقوله: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ} [الحج: 46] {فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى} [الإسراء: 72] لأنها {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَآئِرُ} [الطارق: 9] فيجعل الوجوه من السرائر فمن كان في سريره أعمى هاهنا يكون في صورته أعمى للمبالغة؛ لأن عمل السريرة هاهنا كان قابلاً للتدارك.
وقد خرج ثمة الأمر من التدارك فيكون الأعمى عن رؤية الحق {وَأَضَلُّ سَبِيلاً} [الإسراء: 72] في الوصول إليه لفساد الاستعداد وإعواز التدارك.