ومن هنا نأمر الغاضب الذي تغلي الدماء في عروقه بالهدوء وضبط النفس ؛ لأن الهدوء سيعينه على الحق ، ويُلجم جماح غضبه الذي لا تُحمد عُقباه ، ألا ترى التوجيه النبوي في حال الغضب؟ إنه ينصح بتغيير الوضع الذي أنت عليه ؛ لأن هذه العملية تحدث لديك نزوعية ، تصرف عنك الغضب .
وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ . .} [إبراهيم: 43]
أي: فارغة خالية ليس فيها شيء ؛ لأن الشيء إذا فرغته من محتواه امتلأ بالهواء . وهنا يقول الحق سبحانه في أهل الكهف: {وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِمْ . .} [الكهف: 14] لتظل بداخلها العقيدة والإيمان بالله لا تتزعزع ولا تُخرِجها الأحداث والشدائد ، وهذا من زيادة الهدى الذي أَخبرتْ به الآية السابقة .
وقوله تعالى: {إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السماوات والأرض . .} [الكهف: 14]
قاموا: القيام هنا دليل على مواجهتهم للباطل ووقوفهم في وجهه ، وأن الباطل أفزعهم فهُّبوا للتصدِّي له بقولهم: {رَبُّنَا رَبُّ السماوات والأرض . .} [الكهف: 14] ولا بُدَّ أنهم سمعوا كلاماً يناقض قولهم ، وتعرّضوا في دعوتهم للحرب والاضطهاد ، فالآية تعطي صورة لفريقين: فريق الكفر الذي ينكر وجود الله أو يشرك به ، وفريق الإيمان الذي يُعلنها مُدوّية: {رَبُّنَا رَبُّ السماوات والأرض . .} [الكهف: 14]
وإنْ كان فريق الكفر يدعو إلى عبادة آلهة من دون الله فإن فريق الإيمان يقول: {لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إلها} [الكهف: 14] فإن ادّعَيْنَا إلهاً من دون الله {لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً} [الكهف: 14] أي: فقد تجاوزنا الحدّ ، وبَعُدْنا عن الصواب .
ثم يقول الحق سبحانه: {هؤلاء قَوْمُنَا اتخذوا مِن دُونِهِ ءَالِهَةً ...} .