{رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً . .} [الكهف: 10] أي: رحمة من عندك ، أنت ترحم بها ما نحن فيه من انقطاع عن كل مُقوِّمات الحياة ، فالرحمة في فجوة الجبل لن تكون من البشر ، الرحمن هنا لا تكون إلا من الله: {وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً} [الكهف: 10] أي: يَسِّر لنا طريقاً سديداً للخير وللحق .
إن هؤلاء الفتية المؤمنين حينما ألجأهم الكفر إلى ضيق الكهف تضرَّعوا واتجهوا إلى ربهم ، فهو وحده القادر على أن يُوسّع عليهم هذا الضيق ، كما قال تعالى: {فلولا إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ . .} [الأنعام: 43]
ثم يقول الحق سبحانه: {فَضَرَبْنَا على ءَاذَانِهِمْ فِي الكهف سِنِينَ عَدَداً} .
يُقَال: ضُرِب الفسطاط على الأرض يعني الخيمة ، أي: غُطِّيتْ الأرض بها بعد أنْ كانت فضاءً ، والضرب: أن تلمس شيئاً بشيء بشدة شريطة أن يكون المضروب به أقوى من المضروب ، وإلاّ كان الضارب ضارباً لنفسه .
لذلك ، فالشاعر عندما تكلم عن المعترضين على القدر قال:
أَيا هَازِئاً مِنْ صُنُوفِ القَدَرِ ... بنفْسِكَ تُعنف لاَ بالقَدَر
وَيَا ضَارِباً صَخْرةً بِالعَصَا ... ضَربْتَ العَصَا أَمْ ضرَبْتَ الحَجَر؟
فمعنى: {فَضَرَبْنَا على آذَانِهِمْ . .} [الكهف: 11] أي: غطيناها بغطاء محكم يحجبهم عن العالم الخارجي ، والضرب على آذانهم هو الرحمة التي دعوا الله بها وطلبوها ؛ لأن الإنسان الذي يحمل الفأس مثلاً ويعمل بها إنْ تعب وأجهده العمل يقف بعض الوقت ليستريح ، فإنْ تعب من الوقوف قعد ، فإنْ تعب من القعود استلقى واضطجع ، فإنْ لم يسترح فلا يبقى إلا أن ينام ، ففي النوم تهدأ الأعصاب ، ويستريح الإنسان ، حتى مع الآلام في أعنف الأمراض إذا نام المريض لا يشعر بشيء من الألم ؛ لذلك اختار لهم ربهم هذا الوضع ليريحهم به طوال فترة مُكْثهم في الكهف .