وقد حكى لي رجل كان ترجماناً عند قاضي القسمة، وهو قاضي اليتامى، وكان يأخذ على قسمته من أموال اليتامى شيئاً معلوماً، قال: فنمت ليلة فرأيت كأنه وضع بين يدي طعام، فمددت يدي وتناولت منه، فإذا يد صبي صغير فألقيتها، ثم تناولت غيرها فإذا رجل صبي صغير، وهكذا كما أخذت شيئاً وجدته عضو آدمي صغير، فقلت لأهلي: ما هذا؟
فقالوا: هذا اللحم الذي جئتنا به طبخناه لك.
قال: فلما استيقظت تركت الترجمة.
ثم رأيته بعد ذلك عاد إليها، ولم يصبر عنها.
وقلت: من المتقارب
أَلا رُبَّ آكِلِ مالِ يَتِيمٍ ... وَأَمْثالِهِ تابَ عَنْهُ زَمانا
وَعادَ إِلَى مِثْلِ ما تابَ مِنْهُ ... وَقَدْ نَقَضَ الْعَهْدَ مِنْهُ وَمانا
فَلا تَعْجَبُوا مِنْهُ إِنَّ النُّفو ... سَ تَطْلُبُ ما مُنْعَتْ كَيْفَ كانا
كَمَا أُوْلِعَتْ بِالوَقِيذ الأنوقُ ... وَالْكَلْبُ لَوْ طُرِدا ما اسْتكانا
تَلَذُّ الْخَبائِثَ نَفْسُ الْخَبِيثِ ... فَاعْتَبِرِ الْجُعَلَ الْمُسْتَهانا
وما أشبه كل مال اليتيم ونحوه بالغُول، والسعلاة، والهر، والكلب، والسبع التي تأكل من لحوم الناس.
واعلم أن آكل مال اليتيم، والعالم الذي يشري بعلمه ثمناً قليلاً، والغني الذي يسأل الناس، يشبهون النعامة أيضاً؛ فإنها تأكل الجمر.
نعم هي تأكل الجمر حالاً، وهم يأكلون ما يؤول إلى الجمر مالاً، ولكن وجه المشابهة بينها وبينهم: أن النعامة تدرك من حرارة الجمر ما يمنعها من استعماله لولا ما في طبعها من ملاءمة حرارة الجمر، وكذلك العالم الباذل علمه في مقابلة الحطام، وآكل مال اليتيم، والسائل الغني، يدركون ضرر ما يأكلون، وإلا لم يكونوا مسلمين، ثم يأكلون لما صار في جبلتهم من استحلاء تناول ما ذكر.
والأدلة على ما سبق قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} [سورة النساء: 10] .
وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ} [سورة البقرة: 174] .