وذكر الزمخشري في"ربيع الأبرار"عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: خلق الله تعالى في زمن موسى عليه السلام طيراً اسمه العنقاء، لها أربعة أجنحة من كل جانب، ووجهها كوجه الإنسان، وأعطاها من كل شيء، وخلق لها ذكراً مثلها، وأوحى إليه: إني خلقت طائرين عجيبين، وجعلت رزقهما في الحوش الذي حول بيت المقدس، فتناسلا وكثر نسلهما، فلما توفي موسى عليه السلام انتقلت، فوقعت بنجد والحجاز، فلم تزل تأكل الوحوش، وتخطف الصبيان إلى أن نبئ خالد بن سنان العبسي عليه السلام قبل النبي - صلى الله عليه وسلم -، فشكوه إليه، فدعا عليها، فانقطع نسلها وانقرضت.
وذهب جماعة إلى أنه لا عنقاء، وأنه من الألفاظ الدالة على غير معنى حتى قيل: من البسيط
الْجُودُ وَالغُولُ وَالعَنْقاءُ ثالِثُها ... أَسْماءُ أَشْياءَ لَمْ تُوْجَدْ وَلَمْ تَكُنِ
13 -ومن الخصال التي تلحق صاحبها بالبهائم: الجهل بالله تعالى، وتعظيم قدره وفعله، وإن كان ذلك داخلاً في مطلق الجهل الذي هو صفة البهائم.
وقد علمت أنه معظم أركان هذا الباب؛ أعني: التشبه بالبهائم ونحوها.
روى أبو داود عن جندب رضي الله تعالى عنه قال: جاء أعرابي فأناخ راحلته، ثم عَقَلها ودخل المسجد، فصلى خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما سلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أثار راحلته فأطلقها، ثم ركب، ثم نادى: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا تشرك في رحمتنا أحداً.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أَتَقُولُونَ: هُوَ أَضَلُّ أَمْ بَعِيْرُهُ؛ ألَمْ تَسْمَعُوْا إِلى مَا قَالَ؟".
والمعنى: أهو أجهل بالله وسعة رحمته، أم بعيره؟
14 -ومنها: تشبه العبد في معرفة أمور الدنيا، وجهل أمور الدين، وأحوال الآخرة بالبهيمة التي لا تعرف إلا أمر مرعاها وسقياها، ولا تتقيد بمعقول، ولا ترجع إلى منقول.
وهذا حال أكثر الناس إلا من وفقه الله تعالى كما قال الله - عز وجل: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [سورة الروم: 6، 7] .