فلما صارت العنقاء عند سليمان عليه السلام قالت له: قد مضى الوقت الذي قلت إنهما يجتمعان فيه.
فقال لها: قد اجتمعا، وكان منهما ما أخبرتك أنه يكون.
فقالت: أنا جئت من عند الجارية الساعة، وما وصل إليها خلق، فأين الرجل؟
قال لها سليمان عليه السلام: جيئينا بالجارية فإنا نجيئك بالرجل.
فانطلقت العنقاء إلى الجارية، فلما أحست بها أمرت الفتى فدخل في جوف الفرس، فقالت لها العنقاء: إن سليمان أرسلني إليك لأحملك.
فقالت: كيف تحمليني وأنا امرأة قد كبرت وثقلت؟
وخافت على الرجل أن تتركه وحده فيموت، وكانت قد علقته ودخل قلبها حبه، فأحبت أن لا تذهب إلا به، فقالت للعنقاء: يا أمه! إن كنت لا بد فاعلة فإني أدخل جوف هذا الفرس، ثم تحمليني، فإن وقعت لم يضرَّني شيء.
فقالت: صدقت.
فدخلت في جوف الفرس، فحملتهما معا في الفرس حتى وضعتهما بين يدي سليمان عليه السلام، فقالت: هذه الجارية فأين الرجل؟
فقال: قولي للجارية تخرج، فخرجت.
فقال سليمان للرجل: اخرج، فقد جاءت بك تحملك على رغم أنفها على ظهرها.
فخرج، فاستحيت العنقاء، فخرجت على وجهها، فلم ير لها أثر حتى الساعة.
فهي يضرب بها المثل؛ يقال: أخفى من العنقاء.
قال ابن طولون: ورأيت في بعض الآثار: أن الطير صاحت عليها: يا عنقاء! يا قدرية! فذهبت، فلا يدرى أين ذهبت.
قيل: وكانت تشبه البوم، فلذلك ترى الطير إذا رأت البوم صاحت عليه.
وقيل: بل هي البوم، وكانت كبيرة فصغرت بعد ذلك.
وذكر القزويني أن العنقاء أعظم الطير جثة وأكبره، تخطف الفيل، وكان في قديم الزمان بين الناس فيتأذون منه، إلى أن سلبت يوماً عروساً بحليها، فدعا عليها حنظلة النبي عليه السلام، فذهب الله تعالى به إلى بعض جزائر البحر المحيط تحت خط الاستواء، وهي جزيرة لا يصل إليها الناس.