فقد علم بذلك أن الإنسان المتميز عن البهيمة والسبع بالنطق والتمييز إذا غلبت عليه الشهوة والغضب كان بهيمة وسبعاً لغلبة شهوته وغضبه، بل أضلّ منهما، لأن الشهوة - وإن غلبت على السباع - فإنها لا تميز بين مضار ذلك ومنافعه، ولا تعرف طريق وضعه في مواضعه، فهي معذورة في ذلك، ومن ثم لم تكن مكلفة، ولا يترتب على فعلها ثواب ولا عقاب، بخلاف الإنسان؛ فإن الشهوة والغضب قد غلبا عليه، وهو مميِّز بين مضارهما ومنافعهما، وله عقل يعرف به طريق وضع كل منهما في موضعه، ومن ثم كان مكلفاً مطالباً، مثاباً على أفعاله، أو معاقباً عليها، فهو أخس من البهائم، وأجهل من السباع كما قال الله تعالى: {إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [سورة الفرقان: 44] .
وإنما كان أضل من البهيمة والسبع لأنه تنزل بجهله عن منزلتهما
إلى الشيطانية، فصار شيطاناً، والشيطان عبارة عن خلق مميز غلبت شهوته، واشتد غضبه، فاسترسل معهما حتى هلك، وبسبب التمييز كان الشيطان ومن كان على طريقته معذبين في النار، ولم يصيروا تراباً كسائر البهائم، فهم أسوأ حالاً من البهائم، ولذلك يقول الكافر الشامل للشيطان إذا رآها صارت تراباً، وذهب به إلى النار: {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} [سورة النبأ: 40] .
وقد تحرر لك من ذلك أن المتشبه بالبهائم والسباع فيما ذكرناه متشبه بالشيطان أيضا، فهو جامع للخصلتين؛ فافهم!
* تنبِيهٌ:
حين يقول الشيطان في الكفار: {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} [سورة النبأ: 40] لا يبعد أن يمَال له: إذًا تبين لك أن عنصر النار الذي خلقت منه ليس بخير من عنصر التراب الذي خلق منه آدم، ومن ثم قال بعضهم: إن المراد بالكافر في الآية الشيطان، والألف واللام فيه للعهد.
الفائِدَةُ الثَّالِثةُ: أن ذم الكلب والخنزير ليس راجعاً إلى ظاهر صورتهما، بل إلى ما في الخنزير من الجشع، والكَلَب، والحرص الناشئ عن الشهوة، وما في الكلب من الضراوة، والعداوة، والعقر الناشئ عن الغضب، فإذا كان الذم إنما يرجع إلى هذه الأوصاف فلا فرق في استحقاقهما الذم بين أن تكون في إهاب كلب وخنزير، أو غيرهما من البهائم والسباع، وبين أن تكون في إهاب إنسان، بل هي