{ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله ، إنه كان بكم رحيماً. وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه ، فلما نجاكم إلى البر أعرضتم ، وكان الإنسان كفورا} ..
والسياق يعرض هذا المشهد ، مشهد الفلك في البحر ، نموذجاً للحظات الشدة والحرج. لأن الشعور بيد الله في الخضم أقوى واشد حساسية ، ونقطة من الخشب أو المعدن تائهة في الخضم ، تتقاذفها الأمواج والتيارات والناس متشبثون بهذه النقطة على كف الرحمن.
إنه مشهد يحس به من كابده ، ويحس بالقلوب الخافقة الواجفة المتعلقة بكل هزة وكل رجفة في الفلك صغيراً كان أو كبيراً حتى عابرات المحيط الجبارة التي تبدو في بعض اللحظات كالريشة في مهب الرياح على ثبج الموج الجبار!
والتعبير يلمس القلوب لمسة قوية وهو يشعر الناس أن يد الله تزجي لهم الفلك في البحر وتدفعه ليبتغوا من فضله {إنه كان بكم رحيما} فالرحمة هي أظهر ما تستشعره القلوب في هذا الأوان.
ثم ينتقل بهم من الإزجاء الرخي للاضطراب العتي. حين ينسى الركب في الفلك المتناوح بين الأمواج كل قوة وكل سند وكل مجير إلا الله ، فيتجهون إليه وحده في لحظة الخطر لا يدعون أحداً سواه: {ضل من تدعون إلا إياه} ..
ولكن الإنسان هو الإنسان ، فما إن تنجلي الغمرة ، وتحس قدماه ثبات الأرض من تحته حتى ينسى لحظة الشدة ، فينسى الله ، وتتقاذفه الأهواء وتجرفه الشهوات ، وتغطي على فطرته التي جلاها الخطر: {فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا} إلا من اتصل قلبه بالله فأشرق واستنار.
وهنا يستجيش السياق وجدان المخاطبين بتصوير الخطر الذي تركوه في البحر وهو يلاحقهم في البر أو وهم يعودون إليه في البحر ، ليشعروا أن الأمن والقرار لا يكونان إلا في جوار الله وحماه ، لا في البحر ولا في البر ؛ لا في الموجة الرخية والريح المواتية ولا في الملجأ الحصين والمنزل المريح: