على أن كثرة من كانوا يشاهدون الآيات لم يؤمنوا بها. وقد ضرب السياق المثل بثمود ، الذين جاءتهم الناقة وفق ما طلبوا واقترحوا آية واضحة. فظلموا بها أنفسهم وأوردها موارد الهلكة تصديقاً لوعد الله بإهلاك المكذبين بالآية الخارقة. وما كانت الآيات إلا إنذاراً وتخويفاً بحتمية الهلاك بعد مجيء الآيات.
هذه التجارب البشرية اقتضت أن تجيء الرسالة الأخيرة غير مصحوبة بالخوارق. لأنها رسالة الأجيال المقبلة جميعها لا رسالة جيل واحد يراها. ولأنها رسالة الرشد البشري تخاطب مدارك الإنسان جيلاً بعد جيل ، وتحترم إدراكه الذي تتميز به بشريته والذي من أجله كرمه الله على كثير من خلقه.
أما الخوارق التي وقعت للرسول صلى الله عليه وسلم وأولها خارقة الإسراء والمعراج فلم تتخذ معجزة مصدقة للرسالة. إنما جعلت فتنة للناس وابتلاء.
{وإذ قلنا لك: إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ، والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغياناً كبيرا} .
ولقد ارتد بعض من كان آمن بالرسول صلى الله عليه وسلم بعد حادثة الإسراء ، كما ثبت بعضهم وازداد يقيناً. ومن ثم كانت الرؤيا التي أراها الله لعبده في تلك الليلة {فتنة للناس} وابتلاء لإيمانهم. أما إحاطة الله بالناس فقد كانت وعداً من الله لرسوله بالنصر ، وعصمة له من أن تمتد أيديهم إليه.
ولقد أخبرهم بوعد الله له وبما أطلعه الله عليه في رؤياه الكاشفة الصادقة. ومنه شجرة الزقوم التي يخوف الله بها المكذبين. فكذبوا بذلك حتى قال أبو جهل متهكماً: هاتوا لنا تمراً وزبداً ، وجعل يأكل من هذا بهذا ويقول: تزقموا فلا نعلم الزقوم غير هذا!
فماذا كانت الخوارق صانعة مع القوم لو كانت هي آية رسالته كما كانت علامة الرسالات قبله ومعجزة المرسلين؟ وما زادتهم خارقة الإسراء ولا زادهم التخويف بشجرة الزقوم إلا طغياناً كبيراً؟
إن الله لم يقدر إهلاكهم بعذاب من عنده.