قال بعض العلماء: وقول إبليس في هذه الآية: لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ ... قاله ظنا منه أنه سيقع. وقد تحقق له هذا الظن - في كثير من بني آدم - كما قال - تعالى - وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
وقوله - تعالى - قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً بيان لما توعد الله - سبحانه - به إبليس وأتباعه.
والأمر في قوله اذْهَبْ للإهانة والتحقير. أي: قال الله - تعالى - لإبليس اذْهَبْ مطرودا ملعونا، وقد أخرناك إلى يوم القيامة، فافعل ما بدا لك مع بني آدم، فمن أطاعك منهم، فإن جهنم جزاؤك وجزاؤهم، جزاء مكملا متمما لا نقص فيه.
وقال - سبحانه - فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ مع أنه قد تقدم غائب ومخاطب في قوله فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ، تغليبا لجانب المخاطب - وهو إبليس - على جانب الغائب وهم أتباعه. لأنه هو السبب في إغواء هؤلاء الأتباع.
وقوله: جَزاءً مفعول مطلق، منصوب بالمصدر قبله.
وقوله مَوْفُوراً اسم مفعول، من قولهم وفر الشيء فهو وافر وموفور أي: مكمل متمم. وهو صفة لقوله: جَزاءً.
وهذا الوعيد الذي توعد الله - تعالى - به إبليس وأتباعه، جاء ما يشبههه في آيات كثيرة، منها قوله - سبحانه -: قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ. لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
ثم أضاف - سبحانه - إلى إهانته وتحقيره لإبليس أوامر أخرى، فقال - تعالى -:
وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ، وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ، وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ، وَعِدْهُمْ، وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً.
قال الجمل: أمر الله - تعالى - إبليس بأوامر خمسة، القصد بها: التهديد والاستدراج، لا التكليف، لأنها كلها معاص، والله لا يأمر بها.
وهذه الأوامر الخمسة هي: اذهب، واستفزز ... وأجلب ... وشاركهم ... وعدهم.