روى النسائي وأَحمد والحاكم وغيرهم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال أهل مكة للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعل لنا الصفا ذهبا ونؤمن بك، قال: وتفعلون؟ قالوا نعم، قال: فدعا فأتاه جبريل، فقال: إِن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبا فمن كفر بعد ذلك عذبته عذابًا لا أعذبه أحدا من العالمين، وإِن شئت فتحت لهم أبواب التوبة والرحمة، قال: بل باب التوبة والرحمة فأنزل الله سبحانه هذه الآية.
والمعنى: أَن الله لم ينزل المعجزات التي طلبها المشركون لأنه سبحانه يعلم أَن قريشا سوف تجحد هذه المعجزات كما جحدها السابقون. وحينئذ تستحق الهلاك تطبيقًا له لسنته في شأن المكذبين بعد تحقيق ما طلبوه، والله تعالى يعلم أنها ستستجيب لدعوة الإسلام بعد حين، فلم ينزل هذه المعجزات المطلوبة واكتفى بِإعجاز القرآن الكريم، كما قال سبحانه: {وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} .
وقد وعد الله رسوله صلى الله عليه وسلم، ألا يعذب قومه ما دام فيهم قال تعالى: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} .
{وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا} :
أي أَن الذي اقتضى عدم إِرسال الآيات المقترحة أَن قريشًا ستكذب بها، كما كذب بها الأولون فتتعرض للهلاك مثلهم، كما تعرضت ثمود لهذه التجربة حيث اقترحوا على نبيهم أَن يأتيهم بناقة ترعى الكلأ وتشرب الماء كله يوما، ثم تترك لثمود الكلأ والشراب يومًا آخر وتدر عليهم من أَلبانها ما يكفيهم، فعقروا هذه الناقة، جاحدين منكرين {فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} .
ومعنى مبصرة: مدركة وعارفة نصيبها في الكلأ والماء، فلا تتعداهما إِلى نصيب ثمود فيهما، أو موضحة للناس الدلائل الباهرة على صدق نبي الله صالح عليه السلام.