وفي الآية تلقين جليل مستمر المدى فيما احتوته من الأمر بالمحاسنة واللين وقول التي هي أحسن والمجادلة بالتي هي أحسن. لأن المخاشنة والعنف مما يوسع الخلاف ويثير العداء والحقد ويدفع إلى العناد والمكابرة. ويغطي على الحق والحقيقة مطلقا. وسواء أكان ذلك في سياق الجدل والمناظرة أو التعامل فيما بين المسلمين وغيرهم أو فيما بين المسلمين أنفسهم.
وقد تكرر هذا الأمر في سور أخرى عديدة مكية ومدنية مما يدل على ما أعارته حكمة التنزيل من عناية له.
وفي كتب التفسير أحاديث متنوعة في صدد ذلك. منها ما ورد في كتب الصحاح، من ذلك حديثان رواهما الترمذي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدة فتخلفه» و «كفى بك إثما ألا تزال مخاصما» وحديث رواه الأربعة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ الله رفيق يحبّ الرّفق ويعطي على الرّفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على سواه» وحديث رواه أبو داود ومسلم عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا عائشة ارفقي فإنّ الرّفق لم يكن في شيء إلّا زانه ولا نزع من شيء قطّ إلا شانه» .
[سورة الإسراء (17) : آية 54]
(رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً(54) .
قال غير واحد من المفسرين إن ضمائر الجمع المخاطب في الآية عائدة إلى الكفار الذين هم موضوع الكلام في السياق السابق، وقال بعضهم إنها عائدة إلى المسلمين أو سامعي القرآن إطلاقا والقول الأول هو الأوجه المستلهم من روح الآيات والسياق أيضا. وقد أوّلها أصحاب هذا القول بأنها تتضمن أمرا للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول للكفار إن أمركم بيد الله وهو أعلم بكم إن شاء رحمكم فتاب عليكم وهداكم، وإن شاء خذلكم فبقيتم على كفركم.
أما خاتمة الآية ففيها التفات إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله لم يجعله وكيلا عنهم ولا مَسْئُولا عن هدايتهم وكفرهم، وكل ما عليه أن ينذرهم ويبشرهم، مما ينطوي فيه تسلية له إزاء مواقف الحجاج والعناد التي يقفها الكفار من دعوته.