إنه النهي عن الشرك والتحذير من عاقبته ، والأمر عام ، ولكنه وجه إلى المفرد ليحس كل أحد أنه أمر خاص به ، صادر إلى شخصه. فالاعتقاد مسألة شخصية مسؤول عنها كل فرد بذاته ، والعاقبة التي تنتظر كل فرد يحيد عن التوحيد أن {يقعد} {مذموماً} بالفعلة الذميمة التي أقدم عليها ، {مخذولاً} لا ناصر له ، ومن لا ينصره الله فهو مخذول وإن كثر ناصروه. ولفظ {فتقعد} يصور هيئة المذموم المخذول وقد حط به الخذلان فقعد ، ويلقي ظل الضعف فالقعود هو أضعف هيئات الإنسان وأكثرها استكانة وعجزاً ، وهو يلقي كذلك ظل الاستمرار في حالة النبذ والخذلان ، لأن القعود لا يوحي بالحركة ولا تغير الوضع ، فهو لفظ مقصود في هذا المكان.
{وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} ..
فهو أمر بتوحيد المعبود بعد النهي عن الشرك. أمر في صورة قضاء. فهو أمر حتمي حتمية القضاء. ولفظة {قضى} تخلع على الأمر معنى التوكيد ، إلى جانب القصر الذي يفيده النفي والاستثناء {ألا تعبدوا إلا إياه} فتبدو في جو التعبير ظلال التوكيد والتشديد.
فإذا وضعت القاعدة ، وأقيم الأساس ، جاءت التكاليف الفردية والاجتماعية ، ولها في النفس ركيزة من العقيدة في الله الواحد ، توحد البواعث والأهداف من التكاليف والأعمال.
والرابطة الأولى بعد رابطة العقيدة ، هي رابطة الأسرة ، ومن ثم يربط السياق بر الوالدين بعبادة الله ، إعلاناً لقيمة هذا البر عند الله:
{وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما: أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً ، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ، وقل: رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} .