وقوله تعالى {إِلَّا قَلِيلًا} يعني المعصومين، قال ابن عباس: يريد بالقليل أولياء الله الذين عصمهم، وهم الذين استثناهم الله - عز وجل - في قوله: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: 42]
فإن قيل: كيف ظن إبليس هذا الظن الصادق بذرية آدم؟ فالجواب عن هذا: أن الله تعالى كان قد أخبر الملائكة أنه سيجعل في الأرض من يفسد فيها ويسفك الدماء، على قول بعض المفسرين، وكان إبليس قد علم بذلك، وقيل: إنما قال ذلك لأنه وسوس إلى آدم فلم يجد له عزمًا، فقال بَنُو هذا مِثلُه في ضعف العزيمة، وهذا معنى قول الحسن.
63 -قوله تعالى: {قَالَ اذْهَبْ} أي قال الله تعالى لإبليس: اذهب، وهذا اللفظ يتضمن معنى إنظاره وتأخير أجله، {فَمَنْ تَبِعَكَ} أي أطاعك وتبع أمرك وتسويلك {مِنْهُمْ} : أي من ذرية آدم، {فَإِنَّ جَهَنَّمَ} الفاء تتضمن ها هنا جواب الشرط، وهذه المسألة قد مضت في مواضع، {جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا} من وَفَرْته أفِره وَفْرًا وفِرَةً، وهذا مُتعد، واللازم قولك: وَفر المالُ يَفر وُفُورًا فهو وافر، قال الزجاج: {جَزَاءً مَوْفُورًا} ، أي: مُوَفَّرًا، يقال: وَفَرْته أَفِرُهُ وهو مَوْفُورٌ، وأنشد لزهير:
ومن يَجْعَلِ المعْرُوفَ مِنْ دُونِ عِرْضِهِ ... يَفِرْهُ ومَنْ لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ
وانتصب جزآءً على المصدر.
64 -قوله تعالى: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ} قال الفراء: اسْتَخِف.
وقال أبو إسحاق: معناه: استدعه استدعاءً تستخفه به إلى جانبك، ويقال له: فَزَّه الخوف واستفزه، أي أزعجه واستخفه، قال أبو ذؤيب:
شَبَبٌ أفزَّتْهُ الكلابُ مُرَوَّعُ
ومعنى صيغة الأمر هاهنا: التهدد، كما يقال للإنسان: اجتهد جهدك فسترى ما ينزل بك.