وقال الحسن: لأغوينَّ، وقال مجاهد: لأحتوينَّ، وروي عنه أنه قال مثل الزِّيَاق، هذا قول المفسرين.
وقال ابن زيد: لأضلنهم، وقيل: لأستأصلنَّهم بالإغواء.
فأما كلام أهل اللغة في هذا الحرف، فروى محمد بن سَلاَّم أنه سأل يونس عن هذه الآية فقال: يقال: كأن في الأرض كلأً فاحتنكه الجراد؛ أي أتى عليه، ويقول أحدُهُم: لم أجد لِجاماً فاحْتَنَكْتُ دَابَّتي، أي ألقيتُ في حَنَكها حبلًا قُدْتُها به.
وتفسير هذا الحرف لا يخرج عن هذين الأصلين الذين ذكرهما يونس، فمن قال: لأستأصلنهم ولأستولين عليهم، فأصله من احتِناكِ الجرادِ الزرعَ، وهو أن يأكلها ويستأصلها باحتناكها فيفسدها، ومن هذا يقال للجماعة المنتجعين: الحنك، يقال: ما تركَ الأحْنَاكُ في أرضنا شيئًا، يعنون: الجماعات المارة، ومنه قول أبي نُخَيْلَة:
إنا وكُنَّا حَنَكًا نَجْدِيًّا
هذا هو الأصل، ثم يُسمى الاستيلاء على الشيء وأخذ كله احتناكًا، حتى يقال: احتَنَكَ ما عند فلان، أي أخذه كله من علم أو مال أو غير ذلك، واحتنكت السَّنَةُ أموالنا إذا استأصلتها، وأنشد أهل اللغة:
نَشْكو إليْك سَنَةً قد أجْحَفَتْ
واحْتَنَكَتْ أموالَنَا وجلَّفَتْ
ومن قال: لأغوينّهم ولأقودنّهم إلى المعاصي؛ كما روي عن مجاهد أنه قال: مثل الزِّياق، فأصله من قولهم: حَنَكَ الدابةَ يَحْنُكُها، إذا ربط في حنكِها الأسفل حَبْلًا يقودها به، ومثله: احتنك، وأنشد ابن الأعرابي:
فإنَّ لدَينا مُلْجِمِينَ وحانِكًا
والمعنى على هذا الأصل: لأقودنّهم حيث شئت، كمن يُربط في حَنَكه الزياق فيقاد.
قال الأخفش في قوله: {لَأَحْتَنِكَنَّ} : لأستأصلَنَّهم ولأستميلَنَّهم، فذكر القولين، ونحوه قال أبو عبيدة سواءً، واختار الفراء والزجاج وابن قتيبة الأول، وهو أنه مأخوذ من احتناك الجراد الزرع، وكلا القولين مأخوذ من الْحَنَك على ما بَيَّنَا.