وسبق أن أوضحنا هذه المسألة بقصة حلاق الصحة في الريف الذي يتولى علاج البسطاء ، ويدّعي العلم والخبرة ، فإذا ما مرض ولده فإنه يُسرع به إلى الطبيب ، لأنه إنْ خدع الناس فلن يخدع نفسه ، وإنْ كذب عليهم فلن يكذب على نفسه.
وكذلك الإنسان لا يبيع نفسه رخيصاً ، فإنْ أحاطتْ به الأخطار لا يلجأ إلا إلى الله ؛ لأنه وحده القادر على تفريج الكروب وإغاثة الملهوف ، حتى وإنْ كان كافراً ؛ لأنه سبحانه هو الذي أمره أنْ يلجأ إليه ، وأنْ يدعوه ، فقال: {فَلَوْلا إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ..} [الأنعام: 43]
فإنْ دَعَوهُ سمع لهم وأجابهم على كفرهم وعنادهم ؛ لأنهم عباده وخَلْقه وصَنْعته ، فما أرحمه سبحانه حتى بمَنْ كفر به!
لذلك قال رب العزة في الحديث القدسي:"قالت الأرض: يا رب إئذن لي أن أخسف بابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك ، وقالت السماء: يا رب إئذن لي أن أسقط كِسَفاً على ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك ، وقالت الجبال: يا رب إئذن لي أن أَخِرَّ على ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك ، وقالت البحار: يا رب إئذن لي أن أُغرِقَ ابن آدم فقد طَعِم خيرك ومنع شكرك. فقال تعالى: دعوني وما خلقت ، لو خلقتموهم لرحمتموهم ، فإنهم عبادي ، فإنْ تابوا إليَّ فأنا حبيبهم ، وإنْ لم يتوبوا فأنا طبيبهم".
لقد غفر لهم الحق سبحانه أن يعبدوه غيره ، وأن يؤذوا النبوة ، وأنْ يقفوا في وجه الدعوة ، غفر لهم لأنه ربٌّ ، وما دام رباً فهو رحيم ، فتضرعوا إليه ودَعَوْهُ ، فلمّا نجّاهم إلى البر أعرضوا ، وعادوا لما كانوا عليه وتنكّروا للجميل والمعروف ؛ لذلك يقول تعالى بعدها: وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً { [الإسراء: 67]
وكفور: صيغة مبالغة من الكفر ، أي: كثير الكفر للنعمة ، ولَيْتَه كفر بنعمة الخلق فقال: إنه أتى هكذا من فعل الطبيعة ، إنما كفر بنعمة ملموسة مشاهدة عاش مأزقها ، وقاسى خطرها ، ثم إذا نجَّاه الله أعرض وتمرَّد ، وهذا من طبيعة الإنسان.
ثم يقول الحق سبحانه: {أَفَأَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً...} .