فالمخلوقية لله مُتفق عليها ، إنما الاختلاف في عنصر المخلوقية هذا من نار وهذا من طين ، لكن من قال لك يا إبليس: إن النار فوق الطين ، أو خير منه؟ من أين أتيتَ بهذه المقولة وكلاهما مخلوق لله ، وله مهمة في الكون؟ وهل نستطيع أن نقول: إن العين خير من الأذن مثلاً؟ أم أن لكل منهما مهمتها التي لا تؤديها الأخرى؟
وسبق أنْ قُلْنا مثلاً: إنك تفضل الحديد إنْ كان مستقيماً ، أما إنْ أردتَ خُطَّافاً فالاعوجاج خير من الاستقامة ، أو: أن اعوجاجه هو عين الاستقامة فيه ، فكل شيء في الوجود مخلوق لغاية ولمهمة ولا يكون جميلاً ولا يكون خَيْراً إلا إذا أدى مهمته في الحياة ، فمن أين جاء إبليس بخيرية النار على الطين؟
والنار الأصل فيها الخشب الذي توقد به ، والخشب من الطين ، إذن: فالطين قبل النار وأفضل منه ، فقياس إبليس إذن قياس خاطئ.
ومعنى: خَلَقْتَ طِيناً { [الإسراء: 61] يعني: خلقته حال كونه من الطين ، أو خلقتَه من طين ، والخَلْق من الطين مرحلة من مراحل الخَلْق ؛ لأن الخَلْق المباشر له مراحل سبقته.
فقوله تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي..} [الحجر: 29]
سبقتْه مراحل متعددة ، قال عنها الخالق سبحانه مرة: من الماء. ومرة: من التراب. ومرة: من الطين. والماء إذا خُلِط بالتراب صار طيناً ، وبمرور الوقت يسودُّ هذا الطين ، وتتغير رائحته ، فيتحول إلى حمأ مسنون.
وما أشبهَ الحمأ المسنون بما يفعله أهل الريف في صناعة الطوب ، حيث يخلطون الماء بالتراب بالقشِّ ، ويتركونه فترة حتى يختمر ويأكل بعضه بعضاً ، وتتغير رائحته ويعطَن ، ثم يصبُّونه في قوالب. فإذا ما تُرِك الطين حتى يجفّ ، ويتحول إلى الصلابة يصير صَلْصَالاً كالفخَّار ، يعني يُحدث رنّة إذا طرقت عليه.
وبعد كل هذه المراحل يقول تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر: 29]