كانت العلاقة بين المشركين والمؤمنين إيذاءً مستمرا من جانب المشركين، وصبرًا ومصابرة من المؤمنين حتى اضطروا إلى الهجرة إلى الحبشة مرتين، وقد أفرط المشركون في أذاهم، وربما حسب بعض المؤمنين أن ذلك صغار للمؤمنين، وتفريط في حق الإيمان، فكان منهم من دعا إلى المقاومة، وإن المصابرة حسبها استرخاء يغريهم، وإن من له عصبية لَا تسلمه، وروي أن رجلا من المشركين شتم عمر بن الخطاب، فهمّ عمر بأن يقتله وكان على ذلك قديرا، فأمر اللَّه تعالى نبيه والمؤمنون بأن يصبروا، وأن يقولوا التي هي أحسن، فقال تعالى:
(وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا) .
قل يا محمد مطمئنا ومهدئا لعبادي: (يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحسَنُ) و (يقولوا) : مجزوم في جواب الأمر، وهو في معنى المعلل لأمر بالقول، أي قل لهم داعيا إلى الصبر، وألا يقابلوا الإساءة بمثلها، ليقولوا التي هي أحسن، أي الكلمة التي هي أحسن، والفعلة التي هي أحسن، وإن رد الإساءة لكون عندما يكون للمسلمين قوة يؤدبون بها المعتدين، ويحملونهم على الحق وتكون كلمة اللَّه هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، وكان ذلك قبل الهجرة إلى المدينة كما يدل السياق، وقد استشرفت النفوس لمعرفة السبب في ذلك الأمر وفي نتيجته، فهدَّأ اللَّه هذه النفوس المستشرفة بقوله: (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ) ،، أي إن الشيطان ينزغ بينهم، أي يهيج الشر بينهم فتكون المخاشنة داعية إلى الجفوة والمهاترة، والجفوة تبعد النفوس عن الحق أو تزيدها بعدا، بينما الكلمة الطيبة والمعاملة الجسنة، والمودة في غير إثم تقرب، ولا تنفر، وأكد اللَّه هذا النزغ الشيطانى بقوله تعالى: (إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا) ، أَى إن الشيطان كان مستمرا للإنسان عدوا مبينا للعداوة.