{إنكم لتقولون قولاً عظيماً} .. عظيماً في شناعته وبشاعته ، عظيماً في جرأته ووقاحته ، عظيماً في ضخامة الافتراء فيه ، عظيماً في خروجه عن التصور والتصديق.
{ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا ، وما يزيدهم إلا نفورا} ..
فقد جاء القرآن بالتوحيد ، وسلك إلى تقرير هذه العقيدة وإيضاحها طرقاً شتى ، وأساليب متنوعة ، ووسائل متعددة {ليذكروا} فالتوحيد لا يحتاج إلى أكثر من التذكر والرجوع إلى الفطرة ومنطقها ، وإلى الآيات الكونية ودلالتها ؛ ولكنهم يزيدون نفوراً كلما سمعوا هذا القرآن. نفوراً من العقيدة التي جاء بها ، ونفوراً من القرآن ذاته خيفة أن يغلبهم على عقائدهم الباطلة التي يستمسكون بها. عقائد الشرك والوهم والترهات.
وكما جاراهم في ادعاءاتهم في حكاية البنات ونسبتها إلى الله ليكشف عما فيها من تفكك وتهافت ، فهو يجاريهم في حكاية الآلهة المدعاة ، ليقرر أن هذه الآلهة لو وجدت فإنها ستحاول أن تتقرب إلى الله ، وأن تجد لها وسيلة إليه وسبيلاً:
{قل: لو كان معه آلهة كما يقولون ، إذن لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا} ..
ولو كما يقول النحاة حرف امتناع لامتناع ، فالقضية كلها ممتنعة ، وليس هنالك آلهة مع الله كما يقولون والآلهة التي يدعونها إن هي إلا خلق من خلق الله سواء كانت نجماً أو كوكباً ، إنساناً أو حيواناً ، نباتاً أو جماداً.
وهذه كلها تتجه إلى الخالق حسب ناموس الفطرة الكونية ، وتخضع للإرادة التي تحكمها وتصرفها ؛ وتجد طريقها إلى الله عن طريق خضوعها لناموسه وتلبيتها لإرادته:
{إذن لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا} .. وذكر العرش هنا يوحي بالارتفاع والتسامي على هذه الخلائق التي يدعون أنها آلهة {مع الله} . وهي تحت عرشه وليست معه.. ويعقب على ذلك بتنزيه الله في علاه:
{سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيرا} ..