وفي قوله: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا} [النحل: 111] إشارة إلى أحوال أرباب النفوس أن كل نفس على قدر بقاء وجودها تجادل عن نفسها إما دفعاً لعنادها أو جذباً لمنافعها حتى الأنبياء - عليهم السلام - يقولون: نفسي نفسي إلا محمداً صلى الله عليه وسلم ذاته، فانٍ عن نفسه باقٍ بربه يقول:"أمتي أمتي"لأنه المغفور له من ذنب وجوده المتقدم في الدنيا، والمتأخر في الآخرة بما فتح الله له ليلة المعراج، إذ المواجهة بخطاب:"السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"تغني عن وجوده بالسلام، وبقي بجوده بالرحمة بوجوده، وكان رحمة مهداة أرسل بركاته إلى الناس كافة، ولكنه رفع الزلة من تلك الضيافة خاصة بخواص متابعة، كما قال:"السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"يعني: الذين صلحوا لبذل الوجود في طلب المقصود ونيل الجود فما بقي لهم مجادلة عن نفوسهم مع الخلق والخالق، كما قال بعضهم: كل الناس يقولون إذا: نفسي نفسي وأنا أقول: ربي ربي.
وفي قوله: {وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [النحل: 111] إشارة إلى أن كل نفس عملت سوء توفى بالعذاب بناء الجحيم ونار القطيعة، وكل نفس عملت خيراً توفى في الثواب من نعيم الجنان ولقاء الرحمن {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [النحل: 111] أي: لا يكذب أهل النعيم ولا يثاب أهل الجحيم.