{وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي} [النحل: 107] إلى حضرته {الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [النحل: 107] بنعمته {أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [النحل: 108] بكفران النعمة؛ لئلا يفقهوا بها ألطاف الحق {وَسَمْعِهِمْ} [النحل: 108] لئلا يسمعوا بها كلام الحق {وَأَبْصَارِهِمْ} [النحل: 108] عما أعد الله لعباده الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر {لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرونَ} [النحل: 109] يعني: أهل الغفلة في الدنيا هم أهل الخسارة في الآخرة، وفيه إشارة أخرى وهي التغافل بالأعضاء عن العبودية يورث خسران القلوب عن مواهب الربوبية.
ثم أخبر عن الامتحان بالافتتان، فقال تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ} [النحل: 110] إشارة إلى طالب صادق هاجر نفسه وأعرض عن متابعة هواها وترك شهواتها واستيفاء حظوظها، وأقبل على الله بصدق الطلب وبذل الجهد من بعد الافتتان بتحصيل شهوات النفس ويتبع هواها في مخالفة أوامر الحق ونواهيه {ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ} [النحل: 110] أي: جاهدوا النفس على تزكيتها عن صفاتها الذميمة بموافقة الشريعة ومخالفة الطبيعة وموافقة الطريقة، وصبر على مقاساة شدائد الرياضات والمجاهدات تحت تصرفات المشايخ متمسكاً بذيل إرادتهم ملازماً بصحبتهم من إقبال إشارتهم مشمراً بنجدتهم {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا} [النحل: 110] أي: من بعد الخلاص عن الفتنة ومخالفة النفس وهواها والإقبال على الله {لَغَفُورٌ} يغفر لهم ما سلف منهم من السيئات ويبدلها بالحسنات في تزكية النفس وتبديل أخلاقها {رَّحِيمٌ} [النحل: 110] برحمة المشاهدة بعد المجاهدة.