ثم قال: {إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} [النحل: 104] وهي ما أودع الله في القرآن من المعاني والحقائق التي تتعلق بمواهب الله وبه صار القرآن معجزاً فمن لم يؤمن {لاَ يَهْدِيهِمُ اللَّهُ} [النحل: 104] إلى فهم القرآن {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل: 104] إذ لم يهتدوا إلى الإيمان بدفعهم ما فيه.
فلما نفى الافتراء عن النبي صلى الله عليه وسلم استدل بقوله: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} [النحل: 105] ووجه الاستدلالات الافتراء، فإن نفس المؤمن مأمورة، لوامة، مستلهمة من الله، مطمئنة بذكر الله، ناظرة بنور الله، موفقة بآيات الله؛ لأن الآيات لا تُرى إلا بنور الله، كما قال صلى الله عليه وسلم:"المؤمن ينظر بنور الله"فإذا كان من شأن المؤمن ألا يفتري الكذب إذ هو ينظر بنور الله، فكيف يكون من شأن رسول الله أن يفتري الكذب وهو نور من الله ينظر بالله.
ثم اختص الكذب لمن لا يؤمن بآيات الله، فقال: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النحل: 105] أي: هم المنتسبون إلى الكذب الحقيقي الذي صار اسم العلم لهم بأنهم كذبوا على الله وكذبوا بآياته، وكذبوا على النبي صلى الله عليه وسلم وكذبوا به وبما جاء به، وكذبوا بالقرآن والمعجزات، وفيه إشارة إلى أن الكذبات التي تقع في أثناء كلام من يؤمن بالله ورسله وكتبه ولا يكذب عليهم ولا يكذب بهم، فإنها ليست من الكذب الذي يفتري من لا يؤمن بآيات الله وإنه مخصوص بمن يفتري على الله الكذب، وإن الكذبات التي تقع للمؤمن وهي من جملة المعاصي لا تخرجه من الإيمان، وإن ينقص بها الإيمان ثم بالتوبة يرجع الإيمان إلى أصله كسائر المعاصي والذنوب، يدل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم:"ما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً"فثبت أن المؤمن يبغض الكذب في بعض الأوقات إذا لم يكن مصراً عليه ويتوب.