ثم يشير بقوله: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} [النحل: 103] أي: أن طب القلوب ومعالجتها ليس من شأن البشر بنظر العقل؛ لأن الطب معنى على معرفة الأمراض والعلل وكيفيتها وكميتها، ومعرفة إزالتها بالأدوية ومعرفة الأدوية وخواصها، وكيفية استعمالها ومعرفة الأمزجة واختلاف أحوالها، وإن القلوب بيد لله هو يعلم داءها ودواءها، والتفاوت في أمزجتها، وكيفية معالجتها، ويضيق عن ذلك نطوق عقول البشر بحيث لا يطلع على قوانين معارفها ملك مقرب ولا نبي مرسل؛ فلهذا كان يقول إبراهيم عليه السلام: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ} [الشعراء: 80] لا تطلع على قوته {يَشْفِينِ} [الشعراء: 80] يعني: لا اطلاع لي على المعالجة إلا أن يعلمني الله كيفية المعالجة، فلما علَّم الله النبي صلى الله عليه وسلم بإنزال القرآن هذه المعالجة وكيفيتها من علته بقوله: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} [النساء: 113] ومع هذا كان يقول:"نحن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر"ويقول:"إن القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء".
وفي قوله تعالى: {لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ} [النحل: 103] إنه يعلمك القرآن {أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} [النحل: 103] إشارة إلى أن الأعجمي هو الذي لا يفهم من كلام الله ما أودع الله فيه من الأسرار والإشارات والمعاني والحقائق، فإنه لا يحصل ذلك إلا لمن رزقه الله فهماً يفهم به اللسان العربي المبين هو الذي يسَّره الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وبيَّن له معانيه، كما قال تعالى:
{فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ} [مريم: 97] وقال: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 18 - 19] فالعربي المبين هو الذي أعطاه الله قلباً فهيماً ولساناً مبيناً، فافهم جدّاً.