وتفصيل الوفاء من الله والعبد، بما"شرح النبي صلى الله عليه وسلم في حديث معاذ فقال:"هل تدري يا معاذ ما حق الله على الناس"قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال:"حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً"أي: يطلبوه بالعبادة ولا يطلبوا معه غيره ثم قال:"أتدري يا معاذ ما حق الناس على الله إذ فعلوا ذلك؟"قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال:"فإن حق الناس على الله ألا يعذبهم"يعني: بعذاب الفراق والقطيعة، بل يشرفهم بالوجدان والوصال كما قال:"ألا من طلبني وجدني"."
{إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [النحل: 91] من نقض العهد والوفاء به، وفي قوله: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً} [النحل: 92] إشارة إلى المريد الذي تعلق بذيل إرادة صاحب ولاية من المشايخ وعاهده على صدق الطلب والثبات عليه عند مقاساة شدائد المجاهدات، والصبر على مخالفات النفس والهوى، وملازمة الصحبة والانقياد للخدمة، ولتحمل عن الأحوال، وحفظ الأدب معهم ففي أثناء تحمل هذا المشاق تسأم نفسه وتضعف عن حمل الأثقال، فينقض عهده ويفسخ عزمه ويرجع قهقري، ثم يتخذ ما كان أسباب طلب الله من الإرادة والمجاهدة ولبس الخرقة وملازمة الصحبة والخدمة والفتوحات التي فتح الله له في أثناء الطلب، والسير آلات طلب الدنيا وآداب تحصيل شهوات نفسه بالتصنع والمرايات والسمعة ابتلاءً من الله إظهاراً للعزة أن عظمت الدنيا وشهواتها في نظر النفس، وأعرضت عن الله في طلبها، وهذا معنى قوله: {تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} [النحل: 92] أي: الدنيا أعلى عندكم من الآخرة، {إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [النحل: 92] من أمر الدنيا والآخرة وأمر الطلب.