ثم أخبر عن ندامة أهل الغرامة يوم القيامة بقوله تعالى: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً} إشارة إلى أن لأرواح الأنبياء - عليهم السلام - إشرافاً على أممهم فيما يعملون في حال حياتهم وبعد وفاتهم ليشهدوا عليهم بأعمالهم يوم القيامة {ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} أن يعتذروا عما عملوا بقضاء ما فاتهم من الأوامر وبالتوبة والاستغفار عما نوهوا عنه {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} يعني: ولا يتكلفون أن يعرفوا ربهم، وذلك لأن الدنيا مزرعة الآخرة، والأرواح بذور في أرض الأشباح، فمربيها ومنبتها ومثمرها أعمال الشريعة بشرط الإيمان، ومفسدها ومبطلها ومغير أحوالها عن خصيتها الكفر وأعمال الطبيعة والموت حصادها والقيامة بيدرها، فكل نبات فسد في الأرض بطل استعداده لقبول التربية، ولم يتم أمر نباته فلما حصد وحصل في البيدر ولا تفيده أسباب التربية لتغير أحوالها، فافهم جدّاً.
{وَإِذَا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُواْ} [النحل: 85] أي: وضعوا الكفر وأعمال الطبيعة في موضع الإيمان وأعمال الشريعة {الْعَذَابَ} جزاء ظلمهم {فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ} الأثقال التي على أرواحهم وهي الأخلاق الذميمة النفسانية الظلمانية السفلية المبدلة بالأخلاق الحميدة الروحانية النورانية العلوية، {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} لتبديل مذمومها بمحمودها لما ذكرنا.