أي: لِمَا أَراه منك من تحلِّيك بحُلاهم من الوَجَل، والصبر، وملازمة الصلوات، والإنفاق مما رزقت، كما قال الله تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [سورة الحج: 34، 35] .
وقال ابن عباس، وقتادة: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} [سورة الحج: 34: المتواضعين.
وقال مجاهد: المطمئنين إلى الله.
وقال عمرو بن أويس: الذين لا يظلمون، وإذا ظلموا لم ينتصروا.
فانظر كيف أثنى ابن مسعود - رضي الله عنه - على الربيع بن خُثَيم رحمه الله تعالى، ومدحه بما يلوح عليه من آثار مَنْ هَذِهِ صِفاتُهم، ولولا تخلقه بأخلاقهم، وتشبهه بهم لم تلح عليه آثارهم، ولم يشهد له بها ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.
وروى ابن الجوزي في"صفة الصفوة": أن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى سئل عن مالك رحمه الله تعالى فقال: مالك سيد من سادات أهل العلم، وهو إمام في العلم والفقه، ثم قال: ومن مثل مالك؟ متبعٌ لآثار من تقدم مع عقل وأدب.
وروى البخاري في"الصحيح"عن ابن أبي مُلَيكة: أنه سمع ابن عباس - رضي الله عنهما - يقول: وُضع عمر - رضي الله عنه - على سريره، وقد كنفه الناس يدعون، ويصلون قبل أن يرفع، وأنا فيهم، فلم يَرُعْني إلا رجل أخذ بمنكبي، فإذا علي رضي الله تعالى عنه فترحَّم على عمر، وقال: ما خلَّفتَ أحدًا أحبَّ إليَّ أن ألقى الله بمثل عمله منك، وايم الله إن كنت أظن أن يجعلك الله
مع صاحبيك، إني كنت كثيراً أسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:"ذهبْتُ أَنَا وَأَبُوْ بَكْرٍ وَعُمَرُ".
وروى ابن الجوزي عن جعفر بن محمد رحمهما الله تعالى، عن أبيه قال: لما غسل عمر، وكفن، وحمل على سريره، وقف عليٌّ - رضي الله عنه - فقال: والله ما على الأرض رجل أحبُّ أن ألقى الله بصحيفته من هذا المُسَجَّى بالثوب.
فانظر في تمني علي رضي الله تعالى عنه أن يلقى الله بعمل مثل عمل عمر رضي الله تعالى عنه وصحيفة مثل صحيفته؛ فإنه من أعظم الأدلة على استحباب موافقة الصالحين في أعمالهم وخلائقهم.