فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 258286 من 466147

ذاكروهم في هذا الكتاب، على طريقة التنويع في التشريع والإرشاد، والتوسيع في الطرق الموصلة إلى الخير والسداد، وأشارت إلى غَور بعيد من المعرفة، وهو أن الطرق - وإن تعددت - فإنها راجعة إلى طريقة واحدة، وهي طريقته - صلى الله عليه وسلم -، وكان سائر الطرق والشرائع، وجميع السبل والمشارع سواقٍ وجعافر، وأنهار وغدائر، آخذة من البحر المحيط، راجعة إليه، صادرة عنه، واردة عليه، كما قال في البردة: من البسيط

وَكُلُّهُمْ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ مُلْتَمِسٌ ... غَرْفاً مِنَ الْبَحْرِ أَوْ رَشْفاً مِنَ الدِّيَمِ

ولا شك أن المتشبه بالأخيار والصالحين مقتبس من أنوارهم، مغترف من فيض بحارهم، ورُبَّ ضعيف يمنعه هول البحار، واختلاف أمواجها من الاستقاء منها، والارتواء من مائها، فإذا ورد ماء السواقي ظفر منها بالريِّ من نبعها، والبَلال من جرعها، ورُبَّ ضعيف عن احتمال أشعة الأنوار المحمديَّة، وشهب الأضواء المصطفويَّة يأتي إليه نصيبه منها على يدي بعض الورثة من العلماء والصلحاء، فلو حجر عليه أن لا يتلقى إلا من قِبَلِهِ - صلى الله عليه وسلم - لضاق به الفضاء، وعاد من البحر المحيط بلا ارتواء.

ونظير ذلك أن الخفاش لضعف بصره لا يبصر في ضوء الشمس والقمر، ويبصر في الأضواء الضعيفة المستمدة من بعض الكواكب، أو

ما بقي في أطراف الليل من أنوار الشمس.

فكان التشبه بالصالحين والأخيار وسيلة موصلة للضعفاء إلى التشبه بالنبي - صلى الله عليه وسلم -.

وأيضاً لا شك أن الداعي للعبد إلى التشبه بالصالحين إنما هو محبتهم، وانجذاب روحه إلى أرواحهم، وتحرك قلبه لما تحركت له قلوبهم، ورُبَّ روح تنجذب إلى بعض الصالحين دون بعض لمجانسة ظاهرة أو باطنة، ومشاكلة بادية أو كامنة، وتضعف عن الانجذاب إلى الروح المحمديَّة بلا واسطة لكمال نورها وقوة سلطانها في ظهورها، فورد الشرع بالإرشاد إلى التشبه بالصالحين ليكون وسيلة للضعفاء إلى التشبه به - صلى الله عليه وسلم -، وإلى انجذاب أرواحهم إلى روحه، فلا يعودون منه بغير حظ، ولا يَرِدون الآخرة بلا نصيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت