ومعنى الآية: أي وإذا نسخنا حكم آية فأبدلنا مكانه حكم آية أخرى - والله أعلم بالذي هو أصلح لخلقه فيما يبدل من أحكامه - قال المشركون المكذبون لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: إنما أنت يا محمَّد متقوِّل على الله، تأمر بشيء، ثم تنهى عنه، وأكثرهم لا يعلمون ما في التبديل من حكم بالغة، وقليل منهم يعلمون ذلك وينكرون الفائدة عنادًا واستكبارًا.
وفي قوله: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} توبيخ لهم، وإيماءٌ إلى أن التبديل لم يكن عن الهوى، بل كان لحكمة اقتضته ودعت إليه من تغير الأحوال والأزمان، ألا ترى أن الطبيب يأمر المريض بدواء بعينه ثم إذا أعاده مرةً أخرى .. نهاه عن ذلك الدواء، وأمره بضده، أو بما لا يقرب منه بحسب ما يرى من حال المريض.
وهكذا الشرائع إنما توضع مشاكلة للزمان والمكان، والأحوال الملابسة،
وقد يطرأ ما يغيِّرها ويستدعي وضع تشريع آخر، يكون أصلح للأحوال المفاجئة، والمشاهدة تدل على صدق هذا فإنا نرى القوانين الوضعية تغير آنًا بعد آن، إذا جد ما يستدعي ذلك.
102 -ثم بين لهؤلاء المعترضين على حكمة النسخ، الزاعمين أن ذلك لم يكن من عند الله، وأن رسوله - صلى الله عليه وسلم - قد افتراه فقال: {قُل} لهم يا محمَّد {نَزَّلَهُ} ؛ أي: نزل هذا القرآن المدلول عليه بذكر آية، وفي {ينزل} و {نزَّل} تنبيه على أن إنزاله كان مدرجًا بحسب الوقائع {رُوحُ الْقُدُسِ} ؛ أي: الروح المطهر من الأدناس البشرية، وهو جبريل - عليه السلام - ، فهو من إضافة الموصوف إلى صفته، كحاتم الجود، وطلحة الخير، وقرأ ابن كثير: {نزله روح القدس} بالتخفيف كما في"البيضاوي"، {مِنْ رَبِّكَ} ؛ أي: ابتداء تنزيله من عنده سبحانه و {بِالْحَقِّ} في موضع الحال؛ أي: نزله حالة كونه متلبسًا بكونه حقًّا ثابتًا موافقًا للحكمة البالغة المقتضية له، بحيث لا يفارقها إنشاء ونسخا وفيه دلالة على أن النسخ حق.