فَإِنْ قِيلَ لَهُ: اُكْفُرْ بِالنَّبِيءِ مَهْمُوزًا ، يَقُولُ: أَنَا كَافِرٌ بِالنَّبِيءِ بِالْهَمْزِ ، وَيُرِيدُ بِهِ الْمُخَبِّرَ أَيَّ مُخَبِّرٍ كَانَ ، أَوْ
يُرِيدُ بِهِ النَّبِيءَ الَّذِي قَالَ فِيهِ الشَّاعِرُ: فَأَصْبَحَ رَتْمًا دُقَاقَ الْحَصَى مَكَانَ النَّبِيءِ مِنْ الْكَاثِبِ وَلِذَلِكَ يُحْكَى عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ مِنْ زَمَنِ فِتْنَةِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَلَى خَلْقِ الْقُرْآنِ أَنَّهُ دُعِيَ إلَى أَنْ يَقُولَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ ، فَقَالَ: الْقُرْآنُ وَالتَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ يُعَدِّدُهُنَّ بِيَدِهِ هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ مَخْلُوقَةٌ ، يَقْصِدُ هُوَ بِقَلْبِهِ أَصَابِعَهُ الَّتِي عَدَّدَ بِهَا ، وَفَهِمَ الَّذِي أَكْرَهَهُ أَنَّهُ يُرِيدُ الْكُتُبَ الْأَرْبَعَةَ الْمُنَزَّلَةَ مِنْ اللَّهِ عَلَى أَنْبِيَائِهِ ، فَخَلَصَ فِي نَفْسِهِ ، وَلَمْ يَضُرَّهُ فَهْمُ الَّذِي أَكْرَهَهُ.
وَلَمَّا كَانَ هَذَا أَمْرًا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ ، مَشْهُورًا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَلَّفَ فِي ذَلِكَ شَيْخُ اللُّغَةِ وَرَئِيسُهَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ كِتَابَ الْمَلَاحِنِ لِلْمُكْرَهِينَ ، فَجَاءَ بِبِدَعٍ فِي الْعَالَمِينَ ، ثُمَّ رَكَّبَ عَلَيْهِ الْمُفْجِعَ الْكَابِتَ ، فَجَمَعَ فِي ذَلِكَ مَجْمُوعًا وَافِرًا حَسَنًا ، اسْتَوْلَى فِيهِ عَلَى الْأَمَدِ ، وَقَرْطَسَ الْغَرَضَ.