هي من مال رجل ما أقدم عليه أحد في زهده وورعه وطيب كسبه، فقال: لو كنت أقبل من أحد شيئا لقبلتها تعظيما للميت، وإكراما للحي، ولكني أحب أن أعيش في عز القناعة.
وقال عيسى عليه الصلاة والسلام: اتخذوا البيوت منازل، والمساجد مساكن، وكلوا من بقل البرية، واشربوا من الماء القراح، واخرجوا من الدنيا بسلام.
وأنشد المبرد:
إن ضنّ زيد بما في بطن راحته ... فالأرض واسعة والرزق مبسوط
إنّ الذي قدّر الأشيا بحكمته ... لم ينسني قاعدا والرحل محطوط
قال عبد الواحد بن زيد: ما أحسب أن شيئا من الأعمال يتقدم الصبر إلا الرضا، ولا أعلم درجة أرفع من الرضا وهو رأس المحبة، قيل له: متى يكون العبد راضيا عن ربه؟
قال: إذا سرته المصيبة كما تسره النعمة.
وكان عبد الله بن مرزوق من ندماء المهدي، فسكر يوما ففاتته الصلاة فجاءته جارية له بجمرة، فوضعتها على رجله، فانتبه مذعورا فقالت له: إذا لم تصبر على نار الدنيا، فكيف تصبر على نار الآخرة. فقام فصلّى الصلوات، وتصدق بما يملكه وذهب يبيع البقل، فدخل عليه فضيل وابن عيينة، فإذا تحت رأسه لبنة وما تحت جنبه شيء، فقالا له: إنه لم يدع أحد شيئا إلا عوضه الله منه بديلا، فما عوضك عما تركت له؟ قال: الرضا بما أنا فيه.
وقال الثوري: ما وضع أحد يده في قصعة غيره إلا ذلّ له.
وقال الفضيل: من رضي بما قسم الله له بارك الله له فيه.
وكان عيسى عليه الصلاة والسلام يقول: الشمس في الشتاء جلالي، ونور القمر سراجي، وبقل البرية فاكهتي، وشعر الغنم لباسي، أبيت حيث يدركني الليل ليس لي ولد يموت، ولا بيت يخرب، أنا الذي كببت الدنيا على وجهها.
(بيت مفرد) ؛
إنّ القناعة من يحلل بساحتها ... لم يلق في ظلّها همّا يؤرّقه
وقال عيسى عليه الصلاة والسلام: انظروا إلى الطير تغدو وتروح ليس معها شيء من أرزاقها، لا تحرث، ولا تحصد، والله يرزقها، فإن زعمتم أنكم أكبر بطونا من الطير، فهذه الوحوش والبقر والحمر لا تحرث ولا تحصد والله يرزقها.
وقيل: وفد عروة بن أذينة على هشام بن عبد الملك، فشكا إليه خلّته، فقال له القائل:
لقد علمت وما الإسراف من خلقي ... أنّ الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى إليه فيعييني تطلّبه ... ولو قعدت أتاني ليس يعييني
وقد جئت من الحجاز إلى الشام في طلب الرزق فقال: