يا أمير المؤمنين لقد وعظت فأبلغت، وخرج، فركب ناقته وكرّ إلى الحجاز راجعا، فلما كان من الليل نام هشام على فراشه، فذكر عروة، فقال في نفسه رجل قرشي قال حكمة ووفد علي، فجبهته ورددته خائبا، فلما أصبح وجه إليه بألفي دينار، فقرع عليه الرسول باب داره بالمدينة، وأعطاه المال، فقال: أبلغ أمير المؤمنين مني السلام وقل له:
كيف رأيت قولي سعيت، فأكديت، فرجعت، فأتاني رزقي في منزلي.
ولما ولي عبد الله بن عامر العراق قصده صديقان له أنصاري وثقفي، فلما سارا تخلف الأنصاري وقال: الذي أعطى ابن عامر العراق قادر على أن يعطيني، فوفد الثقفي وقال: أحوز الحظين، فلما دخل على عبد الله بن عامر قال له: ما فعل زميلك الأنصاري؟ قال: رجع إلى أهله، فأمر للثقفي بأربعة آلاف دينار وللأنصاري بمثلها فخرج الثقفي وهو يقول:
فو الله ما حرص الحريص بنافع ... فيغني ولا زهد القنوع بضائر
خرجنا جميعا من مساقط روسنا ... على ثقة منا بجود ابن عامر
فلما أنخنا الناجعات ببابه ... تخلف عني اليثربيّ ابن جابر
وقال ستكفيني عطية قادر ... على ما يشاء اليوم للخلق قاهر
فإن الذي أعطى العراق ابن عامر ... لربّي الذي أرجو لسدّ مفاقري
فقلت خلالي وجهه ولعله ... سيجعل لي حظّ الفتى المتزاور
فلما رآني سال عنه صبابة ... إليه كما حنت ظؤار الأباعر
فأبت وقد أيقنت أن ليس نافعا ... ولا ضائرا شيء خلاف المقادر
قيل: أوحى الله تعالى إلى موسى صلوات الله وسلامه عليه: أتدري لم رزقت الأحمق؟ قال: لا يا رب. قال:
ليعلم العاقل أن طلب الرزق ليس بالاحتيال.
ولبعض العرب:
ولا تجزع إذا أعسرت يوما ... فقد أيسرت في الزمن الطويل
ولا تظنن بربّك ظنّ سوء ... فإنّ الله أولى بالجميل
وإنّ العسر يتبعه يسار ... وقول الله أصدق كلّ قيل
فلو أن العقول تسوق رزقا ... لكان المال عند ذوي العقول
وأوحى الله تعالى إلى يوسف عليه الصلاة والسلام:
انظر إلى الأرض فنظر إليها، فانفجرت، فرأى دودة على صخرة، ومعها الطعام، فقال له: أتراني لم أغفل عنها، وأغفل عنك، وأنت نبي وابن نبي.