يُوضّح الحق تبارك وتعالى أن تسلّط الشيطان لا يقع على مَنْ آمن به رباً ، ولجأ إليه واعتصم به ، وما دُمْت آمنتَ بالله فأنت في مَعيّته وحِفْظه ، ولا يستطيع الشيطان وهو مخلوق لله تعالى أنْ يتسلط عليك أو يغلبك .
إذن: الحصن الذي يقينا كيْدَ الشيطان هو الإيمان بالله والتوكّل عليه سبحانه .
فعلى مَنْ إذن يتسلّط الشيطان؟
يُوضِّح الحق تبارك وتعالى الجانب المقابل ، فيقول: {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ . .} .
معنى يتولونه: أي يتخذونه وَليّاً يطيعون أمره ، ويخضعون لوسوسته ، ويتبعون خطواته:
{الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} [النحل: 100] .
أي: مشركون بالله ، أو يكون المعنى: وهُمْ به أي بسببه أشركوا ؛ لأنه أصبح له أوامر ونواه وهم يطيعونه ، وهذه هي العبادة بعينها ، فكأنهم عبدوه من دون الله بما قدّموه من طاعته في أمره ونَهْيه .
وقد سَمَّى الله طريقة الشيطان في الإضلال والغواية وَسْوسةً ، والوسوسة في الحقيقة هي صَوْت الحُليّ حينما يتحرك في أيدي النساء ، فيُحدِث صوتاً رقيقاً فيه جاذبية وإغراء تهيج له النفس ، وكذلك الشيطان يدخل إليك عن طريق الإغراء والتزيين ، فإذا ما هاجتْ عليك نفسُك وحدّثتْك بالمعصية تركك لها ، فعند هذه النقطة تنتهي مُهمته .
ولكن ، هل النفس لا تفعل المعصية إلا بوسوسة الشيطان؟
قالوا: لا ، فالنفس والمراد هنا النفس الأمّارة بالسوء قد تفعل المعصية من نفسها دون وسوسة من الشيطان ، وقد يُوسْوِسُ الشيطان لها ، وينزغها نَزغاً ويُؤلِّبها ، ويُزِّين لها معصية ما كانت على بالها .
فكيف إذن يُفرّق بين هاتين المعصيتين؟
النفس حينما ترغب في معصية أو شهوة تراها تقف عند معصية بعينها لا تتزحزح عنها ، وإذا قاومتَ نفسك ، وحاولتَ صَرْفها عن هذه الشهوة ألحَّتْ عليك بها ، وطلبتها بعينها ، فشهوة النفس إذن ثابتة ؛ لأنها تشتهي شيئاً واحداً تُلح عليه .