ومن العلماء من جعله مندوباً للقراءة في غير الصلاة ، وهو قول مالك ، وكرهها في قراءة صلاة الفريضة وأباحها بلا ندب في قراءة صلاة النافلة.
ولعلّه رأى أن في الصلاة كفاية في الحفظ من الشيطان.
وقيل: الأمر للوجوب ، فقيل في قراءة الصلاة خاصة ونسب إلى عطاء.
وقد أطلق القرآن على قرآن الصلاة في قوله تعالى: {إن قرآن الفجر كان مشهودا} [سورة الإسراء: 78] وقال: الثوري بالوجوب في قراءة الصلاة وغيرها.
وعن ابن سيرين تجب الاستعاذة عند القراءة مرّة في العمر ، وقال قوم: الوجوب خاص بالنبي والنّدب لبقية أمّته.
ومدارك هذه الأقوال ترجع إلى تأويل الفعل في قوله تعالى: قرأت ، وتأويل الأمر في قوله تعالى: {فاستعذ} ، وتأويل القرآن مع ما حفّ بذلك من السّنة فعلاً وتركاً.
وعلى الأقوال كلها فالاستعاذة مشروعة لللشروع في القراءة أو لإرادته ، وليست مشروعة عند كلّ تلفّظ بألفاظ القرآن كالنّطق بآية أو آيات من القرآن في التعليم أو الموعظة أو شبههما ، خلافاً لما يفعله بعض المتحذّقين إذا ساق آية من القرآن في غير مقام القراءة أن يقول كقوله تعالى بعدَ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ويسوق آية.
وجملة {إنه ليس له سلطان} الآية تعليل للأمر بالاستعاذة من الشيطان عند إرادة قراءة القرآن وبيان لصفة الاستعاذة.
فأما كونها تعليلاً فلزيادة الحثّ على الامتثال للأمر بأن الاستعاذة تمنع تسلّط الشيطان على المستعيذ لأن الله منعه من التسلّط على الذين آمنوا المتوكّلين ، والاستعاذة منه شعبة من شعب التوكّل على الله لأن اللّجأ إليه توكّل عليه.
وفي الإعلام بالعلّة تنشيط للمأمور بالفعل على الامتثال إذ يصير عالماً بالحكمة وأما كونها بياناً فلما تضمّنته من ذكر التوكّل على الله ليبيّن أن الاستعاذة إعراب عن التوَكّل على الله تعالى لدفع سلطان الشيْطان ليعقد المستعيذُ نيّتَه على ذلك.