ولما تقررت هذه الأحكام على هذه الوجوه الجليلة ، وأشارت بحسن ألفاظها وشرف سياقها إلى أغراض هي مع جلالتها غامضة دقيقة ، فلاح بذلك أن القرآن تبيان لكل شيء في حق من سلم من غوائل الهوى وحبائل الشيطان ، وختم ذلك بالحث على العمل الصالح ، وكان القرآن تلاوة وتفكراً وعملاً بما ضمن أجل الأعمال الصالحة ، تسبب عن ذلك الأمر بأنه إذا قرئ هذا القرآن المنزل على مثل تلك الأساليب الفائقة يستعاذ من الشيطان لئلا يحول بوساوسه بين القارئ وبين مثل تلك الأغراض والعمل بها ، وحاصله الحث على التدبر وصرف جميع الفكر إلى التفهم والالتجاء إليه تعالى في كل عمل صالح لئلا يفسده الشيطان بوساوسه ، أو يحول بين الفهم وبينه ، بياناً لقدر الأعمال الصالحة ، وحثاً على الإخلاص فيها وتشمير الذيل عند قصدها ، لا سيما أفعال القلوب التي هي أغلب ما تقدم هنا ، فقال تعالى مخاطباً لأشرف خلقه ليفهم غيره من باب الأولى فيكون أبلغ في حثه وأدعى إلى اتباعه: {فإذا قرأت} أي أردت أن تقرأ مثل {وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا} [الأعراف: 4] {القرآن} الذي هو قوام العمل الصالح والداعي إليه والحاث عليه ، مع كونه تبياناً لكل شيء ، وهو اسم جنس يشمل القليل منه والكثير {فاستعذ} أي إن شئت جهراً وإن شئت سراً ؛ قال الإمام الشافعي: والإسرار أولى في الصلاة ، وفي قول: يجهر كما يفعل خارج الصلاة.