ففي المشبه به إفساد الطاقات بعد الإبرام والإحكام، وفي المشبه إفساد الأيمان والعهود فلا
مفهوم بأن النهي راجع إلَى القيد دون المقيد؛ إذ المشابهة الْمَذْكُورة لا توجد بدون هذه
الحال حتى يلزم صحة التشبيه بدون هذه الحال، والْقَوْل بجواز أن يكون جملة تتخذون خبر
كان وكالتي نقضت حالًا ضعيف؛ إذ المقصود النهي عن الاتخاذ الْمَذْكُور بناء عَلَى أن محط
الفَائدَة هُوَ القيد.
قوله: (وأصل الدخل ما يدخل الشيء ولم يكن منه) ثم كنى به عن الفساد لأنه لازم
لأصل معناه.
قوله: (بأن تكون جماعة أزيد عددًا وأوفر مالًا من جماعة) بأن تكون جماعة الباء
متعلق بـ لا تكُونُوا أمة بمعنى جماعة أربى بمعنى أزيد عددًا هذا هُوَ الْمُنَاسب للتعبير بالأمة.
قوله: وأوفر أي أكثر مالًا فإسناد الأربى إلَى الجماعة يكون مَجَازًا، ولذا أخره وكان كونه
ناقصة أولى من كونه تامة لأن هي ضمير فصل يدخل بين المبتدأ والخبر.
قوله: (والْمَعْنَى لا تغدروا بقوم لكثرتكم وقلتهم) أي حاصل معنى قوله ولا تكُونُوا
إلَى قَوْله أن تكون أمة لا تغدروا بقوم قليل لكثرتكم عددًا وقلتهم كَذَلكَ نبه به عَلَى اختيار
الْمَعْنَى الأول وفيه إشَارَة إلَى أن الْمُرَاد بالأيمان العهود فإن الغدر إنما يكون بنقض العهد
وهذا يؤيد ما قلنا من أن الأيمان في قَوْله تَعَالَى:( [وَلَا تَنْقُضُوا] الْأَيْمَانَ بَعْدَ
تَوْكِيدِهَا) بمعنى العهود ومساس هذا الْمَعْنَى بما قبله إنه لما ذكر نقض عهودهم في البيعة
بالإشَارَة إلَى هذا النقض بالنهي عنه أردفه بذكر سببه ثم بحكمة الابتلاء بما ذكر فإن الباء
الْمَحْذُوفة في بأن تكون متعلقة بالمنهي عنه لا بالنهي، فيكون حاصله ما ذكره الْمُصَنّف لا
محالة وهذا مع كمال وضوحه قيل إليه لا يناسب السابق [واللاحق] .
قوله: (أو [لكثرة منابذيهم وقوتهم] ) منابذيهم أي [معاديهم] منابذيهم جمع منابذ حذف
نون الجمع بالْإضَافَة. وقيل جمع عَلَى وزن المقاتلة بكسر الباء هذا عطف عَلَى لكثرتكم الخ.
أي الكثرة التي منشأ نقض العهد والغدر أما كثرة الغادرين وقلة قوم غدروه أو كثرة معادي
القوم وقوتهم وقلة القوم وضعفهم لم يذكره لظهوره ولهذا أي وليحتمل احتمالين لم يضف
الكثرة إلَى المخطابين بل بينت عَلَى وجه يحتمل كثرة المخاطبين وكثرة معادي القوم
وكلاهما سبب النقض فرادى فرادى فما ظنكم في صورة الجمع فلفظة (أَوْ) في أو لكثرة
منابذيهم لمنع الخلو فقط.
قوله:(كقريش، فإنهم كانوا إذا رأوا شوكة في أعادي حلفائهم نقضوا عهدهم وحالفوا
أعداءهم)كقول مثال الأخير كما بينه. الشوكة الْقُوَّة مُسْتَعَار لها من الشوكة بمعنى السلاح
المشبه بشوك الشجر، ولا ريب في قوة شوك الشجر وعسرة المقاومة بل تعذرها، والْمُرَاد
بالحلفاء بالحاء المهملة المجاهدين في التعاون عَلَى الأعداء [وحالفوا] أعداءهم أي عاهدوهم.
ولم يتعرض للمثال [بنقض] لكثرتهم لوضوحه، وأَيْضًا لم يلتفت إلَى النقض لكونهم أوفر مالًا