ووجه إفراد السّمع وجمع الأبصار تقدم عند قوله تعالى: {أمّن يملك السمع والأبصار} في سورة يونس (31) ، وقوله تعالى ؛ {قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم} في سورة الأنعام (46) .
و {الأفئدة} : جمع الفؤاد ، وأصله القلب.
ويطلق كثيراً على العقل وهو المراد هنا.
فالسمع والبصر أعظم آلات الإدراك إذ بهما إدراك أهم الجزئيّات ، وهما أقوى الوسائل لإدراك العلوم الضرورية.
فالمراد بالسمع: الإحساس الذي به إدراك الأصوات الذي آلته الصمّاخ ، وبالإبصار: الإحساسُ المدرك للذّوات الذي آلته الحدقة.
واقتصر عليهما من بين الحواس لأنهما أهمّ ، ولأن بهما إدراك دلائل الاعتقاد الحقّ.
ثم ذكر بعدهما الأفئدة ، أي العقل مقرّ الإدراك كلّه ، فهو الذي تنقل إليه الحواس مدركاتِها ، وهي العلم بالتصوّرات المفردة.
وللعقل إدراك آخر وهو إدراك اقتران أحد المعلومين بالآخر ، وهو التصديقات المنقسمة إلى البديهيّات: ككون نفي الشيء وإثباته من سائر الوجوه لا يجتمعان ، وككون الكلّ أعظم من الجزء.
وإلى النظريات وتُسمّى الكسبيّات ، وهي العلم بانتساب أحد المعلومين إلى الآخر بعد حركة العقل في الجمع بينهما أو التّفريق ، مثل أن يحضر في العقل: أن الجسم ما هو ، وأن المحدَث بفتح الدال ما هو.
فإن مجرد هذين التصوّرين في الذهن لا يكفي في جزم العقل بأن الجسم محدث بل لا بد فيه من علوم أخرى سابقة وهي ما يدلّ على المقارنة بين ماهية الجسمية وصفةِ الحدوث.
فالعلوم الكسبية لا يمكن اكتسابها إلا بواسطة العلوم البديهية.
وحصول هذه العلوم البديهية إنما يحصل عند حدوث تصوّر موضوعاتها وتصوّر محمولاتها.
وحدوث هذه التصوّرات إنما هو بسبب إعانة الحواس على جزئياتها ، فكانت الحواس الخمس هي السبب الأصلي لحدوث هذه العلوم ، وكان السمع والبصر أول الحواس تحصيلاً للتصوّرات وأهمّها.