{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا}
عود إلى إكثار الدلائل على انفراد الله بالتصرّف وإلى تعداد النّعم على البشر عطفاً على جملة {والله جعل لكم من أنفسكم} [النحل: 72] بعدما فصل بين تعداد النّعم بما اقتضاه الحال من التذكير والإنذار.
وقد اعتبر في هذه النّعم ما فيها من لطف الله تعالى بالناس ليكون من ذلك التخلّص إلى الدعوة إلى الإسلام وبيان أصول دعوة الإسلام في قوله تعالى: {كذلك يتمْ نعمته عليكم لعلّكم تسلمون} [سورة النحل: 81] إلى آخره.
والمعنى: أنه كما أخرجكم من عدم وجعل فيكم الإدراك وما يتوقّف عليه الإدراك من الحياة فكذلك ينشئكم يوم البعث بعد العدم.
وإذ كان هذا الصّنع دليلاً على إمكان البعث فهو أيضاً باعث على شكر الله بتوحيده ونبذ الإشراك فإن الإنعام يبعث العاقل على الشكر.
وافتتاح الكلام باسم الجلالة وجعل الخبر عنه فعلاً تقدم بيانه عند قوله تعالى: {والله أنزل من السماء ماء} [سورة النحل: 65] والآيات بعدهُ.
والإخراج الإبراز من مكان إلى آخر.
والأمّهات: جمع أمّ.
وقد تقدم عند قوله تعالى: {حرّمت عليكم أمّهاتكم} في سورة النساء (23) .
والبَطن: ما بين ضلوع الصدر إلى العانة ، وفيه الأمعاء والمعدة والكبد والرحم.
وجملة لا تعلمون شيئاً حال من الضمير المنصوب في {أخرجكم} .
وذلك أن الطفل حين يولد لم يكن له علم بشيء ثم تأخذ حواسّه تنقل الأشياء تدريجاً فجعل الله في الطفل آلات الإدراك وأصول التفكّر.
فقوله تعالى: {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة} تفسيره أنه أوجد فيكم إدراك السمع والبصر والعقل ، أي كوّنها في الناس حتى بلغت مبلغ كمالها الذي ينتهي بها إلى علم أشياء كثيرة ، كما دلّت عليه مقابلته بقوله تعالى: {لا تعلمون شيئاً} ، أي فعلمتم أشياء.