وهو قول هذياني ، ولولا جلاله قائله وتسطيره في الكتب ما ذكرته ، وإنما يقال في هذا ما قاله الزمخشري: أنه من جموع القلة التي جرت مجرى جموع الكثرة والقلة ، إذا لم يرد في السماع غيرها كما جاء: شسوع في جمع شسع لا غير ، فجرى ذلك المجرى انتهى.
إلا أنّ دعوى الزمخشري أنه لم يجئ في جمع شسع إلا شسع لا غير ، ليس بصحيح ، بل جاء فيه جمع القلة قالوا: أشساع ، فكان ينبغي له أن يقول: غلب شسوع.
وقرأ ابن عامر ، وحمزة ، وطلحة ، والأعمش ، وابن هرمز: ألم تروا بتاء الخطاب ، وباقي السبعة بالياء.
قال ابن عطية: واختلف عن الحسن ، وعيسى الثقفي ، وعاصم ، وأبي عمرو.
ولما ذكر تعالى مدارك العلم الثلاثة: السمع ، والنظر ، والعقل ، والأوّلان مدرك المحسوس ، والثالث مدرك المعقول ، اكتفى من ذكر مدرك المحسوس بذكر النظر ، فإنه أغرب لما يشاهد به من عظيم المخلوقات على بعدها المتفاوت ، كمشاهدته النيرات التي في الأفلاك.
وجعل هنا موضع الاعتبار والتعجب الحيوان الطائر ، فإنّ طيرانه في الهواء مع ثقل جسمه مما يعجب منه ويعتبر به.
وتضمنت الآية أيضاً ذكر مدرك العقل في كونه لا يسقط ، إذ ليس تحته ما يدعمه ، ولا فوقه ما يتعلق به ، فيعلم بالعقل أنه له ممسك قادر على إمساكه وهو الله تعالى ، كما قال تعالى: {أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير} فانتظم في الآية ذكر مدرك الحس ومدرك العقل.
ومعنى مسخرات: مذللات ، وبني للمفعول دلالة على أن له مسخراً.
وقال أبو عبد الله الرازي: هذا دليل على كمال قدرة الله وحكمته ، فإنه تعالى خلق الطائر خلقه معها يمكنه الطيران ، أعطاه جناحاً يبسطه مرة ، ويكنه أخرى مثل ما يعمل السابح في الماء ، وخلق الجو خلقه معها يمكن الطيران خلقه خلقة لطيفة ، يسهل بسببها خرقه والنفاذ فيه ، ولولا ذلك لما كان الطيران ممكناً انتهى.