والذي نقوله: إن الإبهام وقع وقت الخطاب المتقدم على أمر الساعة ، لا وقت الإتيان بها.
وليس من شرط الإبهام على المخاطب في الإخبار عن شيء اتحاد زمان الإخبار وزمان وقوع ذلك الشيء ، ألا ترى في قوله تعالى: {وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون} كيف تأمر زمان الإخبار عن زمان وقوع ذلك الإرسال ، ووجودهم مائة ألف أو يزيدون.
وقال أبو عبد الله الرازي: لمح البصر انتقال الجسم بالطرف من أعلى الحدقة ، وهي مؤلفة من أجزاء وتلك الأجزاء كثيرة ، والزمان الذي يحصل فيه للمح مركب من آناء متعاقبة ، والله تعالى قادر على إقامة القيامة في آن واحد من تلك الآناء ، فلذلك قال: {أو هو أقرب} ولما كان أسرع الأحوال والحوادث في عقولنا هو لمح البصر ذكره ، ثم قال: أو هو أقرب تنبيهاً على ما ذكرناه ، وليس المراد طريقة الشك ، والمراد بل هو أقرب انتهى.
وفيه بعض تلخيص.
وما ذكره من أنّ أو بمعنى بل ، هو قول الفراء ، ولا يصح لأنّ الإضراب على قسمين كلاهما لا يصح هنا.
أما أحدهما: فأن يكون إبطالاً للإسناد السابق ، وأنه ليس هو المراد ، وهذا مستحيل هنا ، لأنه يؤول إلى إسناد غير مطابق.
والثاني: أن يكون انتقالاً من شيء إلى شيء من غير إبطال لذلك الشيء السابق ، وهذا مستحيل هنا للتنافي الذي بين الإخبار بكونه مثل لمح البصر في السرعة ، والإخبار بالأقربية ، فلا يمكن صدقهما معاً.
وقال صاحب الغنيان: وهذا وإن كان يعتبر إدراكه حقيقة ، إلا أن المقصود المبالغة على مذهب العرب وأرباب النظم.
وما أحسن قول الأبله الشاعر في المعنى:
قال له البرق وقالت له الريح ...
جميعاً وهما ما هما
أأنت تجري معنا قال إن ...
نشطت أضحكتكما منكما
أنا ارتداد الطرف قد فته ...
إلى المدى سبقاً فمن أنتما
ولما ذكر تعالى أمر الساعة وأنها كائنة لا محالة ، فكان في ذلك دلالة على النشأة الآخرة.