والتشبه به في هذه الصفات محمود لكل أحد إذا صحت النية فيه.
وفي الحديث:"مَنْ تَواضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللهُ".
رواه البيهقي عن عمر - رضي الله عنه -، وأبو نعيم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
وقال - صلى الله عليه وسلم:"آكُلُ كَما يَأْكُلُ الْعَبْدُ، وأَجْلِسُ كَما يَجْلِسُ الْعَبْدُ، وَإِنَّما أَنا عَبْدٌ".
رواه أبو يعلى عن عائشة رضي الله تعالى عنها.
وروى أبو نعيم عن أبي الجلد قال: أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: إذا ذكرتني فاذكرني وأنت تنتفض أعضاؤك، وكن عند ذكري خاشعًا مطمئناً، وإذا ذكرتني فاجعل لسانك من وراء قلبك، وإذا قمت بين يدي فقم مقام العبد الحقير الذليل، وذم نفسك فهي أولى
بالذم، وناجني حين تناجيني بقلب وَجِل ولسان صادق.
وروى الإمام أحمد في"الزهد"عن ابن عياش، عن عبد الله بن دينار، أو غيره: أن المسيح عليه السلام قال: ويلكم علماءَ السوء! لا تنظروا في عيوب الناس أمثال الأرباب، ولكن انظروا في عيوب أنفسكم أمثال العبيد، إنما أنتم أحد رجلين: إما رجل فيه عيب، وإما رجل معافى، فليس ينبغي للذي فيه العيب أن يعيب على غيره، ولا ينبغي لمن عوفي أن يعيِّر أخاه، ولكن يرحمه.
أما التواضع للدنيا والأغراض الفاسدة فإنه مذموم.
وقد ورد: من تضعضع لغني لأجل عناه ذهب ثلثا دينه. رواه الإمام أحمد في"الزهد"عن وهب بن منبه، وقال: إنه مكتوبٌ في التوراة.
وروى الديلمي عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"لَعَنَ اللهُ فَقِيراً تَواضَعَ لِغَنِيٍّ مِنْ أَجْلِ غِناهُ؛ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَقَدْ ذَهَبَ ثُلُثا دِينهِ".
واعلم أن أصل إتعاب النفس وإذلالها للناس طلبًا لنوالهم إنما
هو لتعلقها بما تهوى من الشهوات والمستلذات؛ فإنها لا تتوصل إليها إلا بأغراض الدنيا، وهي تحتاج إلى التحيل بالإكساب؛ حلت أو حرمت، عزت النفس فيها أو ذلت، فلا ينقذ العبد من تلك الورطات إلا قلع تلك الشهوات من القلب، وتركها بالكلية من النفس، وإلا آلت به إلى الهلاك والتعس.