ثم خاطب سبحانه رسوله - صلى الله عليه وسلم - مسليًا له على ما يراه من جحود قومه، وشديد إعراضهم، ومبالغتهم في عنادهم، مع أسفه عليهم، وعظيم رغبته في إيمانهم، ومبينًا أن الأمر بيد الله، وليس له من الأمر شيءٌ فقال: {إِنْ تَحْرِصْ} يا محمد {عَلَى هُدَاهُمْ} ؛ أي: على هداية قومك؛ أي: إن تطلب هداية قريش بجهدك .. لا ينفعهم حرصك على إيمانهم وهدايتهم، إذا كان الله تعالى يريد إضلالهم بسوء اختيارهم، وتوجيه عزائمهم إلى عمل المعاصي والإشراك بربهم، وجملة قوله: {فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ} معللة لجواب الشرط الذي قدرناه؛ أي: لأنه تعالى لا يخلق الهداية قسرًا فيمن يخلق فيه الضلالة لسوء اختياره، {وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} ؛ أي: وما لهم ناصرٌ ينصرهم من الله إن إراد عقوبتهم، كما قال: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} ؛ أي: وليس لهم أحدٌ يعينهم على مطلوبهم في الدنيا والآخرة من دفع العذاب عنهم.
ومجمل القول: أنَّ من اختار الضلالة ووجه همته إلى تحصيل أسبابها، فالله سبحانه لا يخلق فيه الهداية قسرًا وإلجاءً؛ لأن مدار الإيمان والكفر الاختيار لا الإلجاء والاضطرار.
37 -وقرأ النخعي: {وإن} بزيادة واو وهو والحسن وأبو حيوة {تَحْرِصْ} بفتح الراء مضارع حرص بكسرها وهي لغة، وقرأ الجمهور بالكسر مضارع حرص بالفتح، وهي لغة الحجاز، وقرأ الحرميان نافع وابن كثير، والعربيان أبو عمرو وابن عامر، والحسن والأعرج ومجاهد وشيبة وشبل ومزاحم الخراساني والعطاردي وابن سيرين: {لَا يَهْدِي} مبنيًّا للمفعول، ومن مفعول لم يسم فاعله، والفاعل في {يُضِلُّ} ضمير الله، والعائد على مَنْ محذوف، تقديره: من يضله الله، وقرأ الكوفيون وابن مسعود وابن المسيب وجماعة: {يَهْدي} مبنيًّا للفاعل، والظاهر أن في يهدي ضميرًا يعود على الله ومن مفعول، وعلى ما حكى الفراء: إن هدى يأتي بمعنى اهتدى، يكون لازمًا، والفاعل من؛ أي: لا يهتدي من يضله، وقرأت فرقة منهم عبد الله: {لا يهدي} بفتح الياء وكسر الهاء والدال، قال ابن عطية: وهي ضعيفة، انتهى.