والضمير"هم"جاء ليعطي خصوصيتين ؛ الأولى: أنهم يهتدون بالنجم لا بغيره ؛ والثانية: أن قريشاً تهتدي بالنجم ، بينما غيرُها من القبائل لا تستطيع أن تهتدي به .
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك:
{أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (17) }
ونعلم أن الكلام الذي يلقيه المتكلم للسامع يأخذ صوراً متعددة ؛ فمرَّة يأخذ صورة الخبر ، كأن يقول: مَنْ لا يخلق ليس كَمنْ يخلق . وهذا كلام خبريّ ، يصح أنْ تُصدِّقه ، ويصحّ ألاَّ تُصدّقه .
أما إذا أراد المتكلم أن يأتي منك أن التصديق ، ويجعلك تنطق به ؛ فهو يأتي لك بصيغة سؤال ، لا تستطيع إلا أنْ تجيبَ عليه بالتأكيد لِمَا يرغبه المتكلِّم .
ونعلم أن قريشاً كانت تعبد الأصنام ؛ وجعلوها آلهة ؛ وهي لم تكلمهم ، ولم تُنزِل منهجاً ، وقالوا ما أورده الحق سبحانه على ألسنتهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى} [الزمر: 3] .
فلماذا إذن لا يعبدون الله مباشرة دون وساطة؟ ولماذا لا يرفعون عن أنفسهم مشقة العبادة ، ويتجهون إلى الله مباشرة؟
ثم لنسأل: ما هي العبادة؟
نعلم أن العبادة تعني الطاعة في"افعل"و"لا تفعل"التي تصدر من المعبود . وبطبيعة الحال لا توجد أوامر أو تكاليف من الأصنام لِمَنْ يعبدونها ، فهي معبودات بلا منهج ، وبلا جزاء لِمَن خالف ، وبلا ثواب لِمَنْ أطاع ، وبالتالي لا تصلح تلك الأصنام للعبادة .
ولنناقش المسألة من زاوية أخرى ، لقد أوضح الحق سبحانه أنه هو الذي خلق السماوات والأرض ، والليل والنهار ، والشمس والقمر ، وسخر كل الكائنات لخدمة الإنسان الذي أوكل إليه مهمة خلافته في الأرض .
وكلُّ تلك الأمور لا يدعيها أحد غير الله ، بل إنك إنْ سألتَ الكفار والمشركين عمَّن خلقهم ليقولن الله .
قال الحق سبحانه: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله} [الزخرف: 87] .