ذلك أن عملية الإيجاد والخَلْق لا يجرؤ أحدٌ أنْ يدَّعيَها إنْ لم يكُنْ هو الذي أبدعها ، وحين تسألهم: مَنْ خلق السماوات والأرض لقالوا: إنه الله .
وقد أبلغهم محمد صلى الله عليه وسلم أن الله هو الذي خلق السماوات والأرض ، وأن منهجه لإدارة الكون يبدأ من عبادته سبحانه .
وما دام قد ادَّعى الحق سبحانه ذلكن ولم يوجد مَنْ ينازعه ؛ فالدعوة تثبُت له إلى أنْ يوجد معارض ، ولم يوجد هذا المُعَارض أبداً .
وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ؛ لم يَقُل الحق سبحانه"أتجعلون مَنْ لا يخلق مِثْل من يخلق". بل قال:
{أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} [النحل: 17] .
ووراء ذلك حكمة ؛ فهؤلاء الذين نزل إليهم الحديث تعاملوا مع الأصنام وكأنها الله ؛ وتوهَّموا أن الله مخلوق مثل تلك الأصنام ؛ ولذلك جاء القول الذي يناسب هذا التصوُّر .
والحق سبحانه يريد أنْ يبطل هذا التصوُّر من الأساس ؛ فأوضح أن مَنْ تعبدونهم هم أصنام من الحجارة وهي مادة ولها صورة ، وأنتم صنعتموها على حَسْب تصوُّركم وقدراتكم .
وفي هذه الحالة يكون المعبود أقلَّ درجة من العابد وأدنى منه ؛ فضلاً عن أن تلك الأصنام لا تملك لِمَنْ يعبدها ضراً ولا نفعاً .
ثم: لماذا تدعون الله إنْ مسَّكُم ضُرٌّ؟
إن الإنسان يدعو الله في موقف الضر ؛ لأنه لحظتها لا يجرؤ على خداع نفسه ، أما الآلهة التي صنعوها وعبدوها فهي لا تسمع الدعاء: {إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا استجابوا لَكُمْ وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14] .
فكيف إذن تساوون بين مَنْ لا يخلق ، ومن يخلق؟ إن عليكم أنْ تتذكَّروا ، وأنْ تتفكَّروا ، وأن تُعْمِلوا عقولكم فيما ينفعكم .
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: